الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

سنـة أولى دكتوراه -2-

.

.

مرحبا .. لن أطيل في الافتتاحية فاتفاقي مع نفسي يقضي ألا أزيد عن ألف كلمة في كل تدوينة ..

في نظام الجامعة التي أدرس بها يتوجب علينا أن نقدم مشروعنا وما انجزنا و خططنا المستقبلية للجنة من الجامعة لتتابع التقدم و تسدي النصائح وهذا خلال سنة من بداية الدراسة ..وهذا النظام لتضمن الجامعة عدم ضياع وقت الطالب و مدى حصوله على إرشاد جيد و لتضمن جودة مخرجاتها في نفس الوقت .. و أجدني بلا قصد أذكر سنوات تضيع من عمر الباحثين في جامعات الوطن بلا متابعة ولا اشراف .. و اذكر اسلوب المشرفين حين يقولون :” اذهب وابحث عن مشروع وعد الينا” و أذكر كذلك خطة البحث التي يقضي الباحث في كتابتها ثلاثة أشهر بدون مرجعية كافية ثم تسليمها لمجالس الأقسام و تحول الخطة الى كرة في ملعب تنس حتى تتم الموافقة عليها بشق النفس ..

و أنا هنا لا أقارن لأعيب .. فهذه المدرسة المتبعة في جامعاتنا لا زالت موجودة و خطة بحثي تمت كتابتها خلال أشهر ثلاثة و الموافقة على اجراءات البحث اخذت ما يقارب السنة لكن ما أستغرب منه عدم وضوح الرؤية لدى طالب الدراسات العليا و عدم وجود مرجعية واضحة تحدد سيره و يعتبر هذا الأمر من احسان المشرف فإن كان المشرف نبيلا قام بمساعدة الطالب ..و إن لم يكن يعاني الطالب الأمرين قبل انهاء مشروعه .. بينما لا توفر الجامعات المساعدة و الدعم الكافيين لطالب الدراسات العليا ليختصر الوقت و يحافظ على أعصابه قبل الشروع في خطته البحثية .. و ان كنت أعتقد أن دولية التعليم في جامعات الخارج وانتشار المراكز البحثية التي يديرها المتخصصون سواءا كانوا فرقا أم افرادا و استقلالية البحث العلمي و المرونة في الانتقال للجديد و السرعة في التقاط التحديثات نقاط مهمة ساعدت الجامعات كثيرا في تحسين خدماتها المقدمة لطلبة الدراسات العليا و هي تجارب تستحق التأمل و النظر .. و الاقتباس ربما

وكانت نهاية سنتي الأولى رسميا باختبار تضمن عرضا تقديميا عن المشروع و النتائج حتى اللحظة، بحثا استغرقت شهرا لإعداده وتسليمه وكان من أشد الشهور و مناقشة لطيفة مع المقيمين .. و أقول مقيمين لأنهم لا يمتحنون الطالب لكنهم يقيمون أداءه و أداء المشرفين وتعاملهم معه .. و لعل أكثر ما استمتعت به خلال الاختبار العرض التقديمي و التدرب عليه و المناقشة .. خلاف ما يتوقعه الجميع .. أما البحث وإعداده فكانت صعوبته في أنني لم أقرأ بما فيه الكفاية خلال السنة وهذا بسبب (سوء إدارة الوقت) المشكلة التي ذكرتها في التدوينة السابقة .. لذا كان لزاما علي أن أتفرغ للقراءة في شهر وللكتابة  والتعديلات في شهر آخر و أن أتحمل دقة مشرفي الرئيسي و ذهول مشرفي المساعد المستمر من هذه الدقة ..

على كل حال .. وكما ذكرت كان لدي عدد من الأخطاء المربكة و التي زادت من صعوبة السنة الأولى .. لكنني لا أنفي الوقع الكبير لأحداث 2011 على نفسي .. ففي بداية السنة و تحديدا بعد احتفالات أعياد الميلاد فاضت أنهار و أراضي كوينزلاند بالمياه و كانت كارثة حقيقية .. في تلك الفترة كنت في برزبن – مقر دراستي- و لا يخفى على المقربين مقدار التوتر الذي عشته في تلك الفترة .. أعقب فترة الفيضانات و تخللها الربيع العربي .. وتساقط الأنظمة العربية تونس ، مصر ، حرب ليبيا ، انقسام السودان ، اضطرابات البحرين و أخيرا حرب سوريا وبشاعة ما حدث خلال تلك الشهور الستة و خطأي الكبير جدا بمتابعة كل الأمور وما يحدث سواءا في المنتديات او القنوات الإخبارية العربية أو الأجنبية ومحاولة قراءة المستقبل و .. و ..

كل هذا أثر في نفسي كثيرا .. وبدأت اتساءل عن جدوى ما أفعله حقا و أنا أرى الناس يقتلون و الحروب تقوم و تقعد و الرؤوساء ينفون و يحاكمون ..و ضاعت من سنتي الأولى أيام غير مبررة .. لا يفهم أحد لم كنت قلقة مضطربة .. وما جدوى هذا ؟

و رغم اعتزازي الكبير بثقافتي العربية .. خاصة و إني تربيت على يد رجل مهتم بشؤون الأمة ومتابع لها و على حكاياته عن الملك فيصل وخالد و عبدالناصر و أم كلثوم و ذكريات أدركت منها الكثير .. لكني أقر أن ردة فعلي تجاه الأحداث كانت خاطئة.. فسنن الله في أرضه وفي عباده نافذة لا محالة و القلق لن يؤدي الى شيء ولن يوقف قدر الله عز وجل و العمل فيه الخير كل الخير .. ولكني مع ذلك كنت اتساءل و أعيد التفكير في دراستي مرات ومرات .. خفف من قلقي ومعاناتي زيارة اهلي لي .. وكانت نهاية هذه المعاناة بوفاة ثلاث رجال في ثلاثة ايام متتالية .. معمر القذافي .. أنيس منصور .. و ولي عهد السعودية الأمير سلطان بن عبدالعزيز .. وأنا ان كنت لا أهتم بالقذافي لكن نهايته لا ينساها أحد رغم طغيانه وجنونه ..أما أنيس منصور فيكفي أن كتاب رحلاته الجميل كان من أجمل الكتب التي قرأتها مرات كثيرة خلال فترة المدرسة .. حتى انني أعتقد انه الى جانب جيناتي العقيلية سبب من أسباب حبي للسفر و الرحلات .. و صالونياته مع العقاد كانت من أجمل كتب الذكريات و السير و مقالاته في جريدة الشرق الأوسط و تعليقات الناس عليها و ذكره الأصحاب كثيرا و الزمان الجميل جعل لهذا الرجل مكانا محببا .. و أما الأمير سلطان فيكفي أنه سلطان الذي مات .. عموما هذا الحدث جعلني أتأكد فعلا أنه جيل يتنحى و أن جيلا آخر سيتسلم الدفة .. و إن عصرا وتاريخا جديدا سيكتب و يعلم الله من سيكتبه وأي خربشة سيخربشها على صفحاته  ..حالتي إذن كانت مرحلة انتقالية مع انتقال التاريخ P:

قررت بعدها بناءا على نصيحة الجميع أن أقلل من متابعة الأخبار و ألا أتبع سياسيا على تويتر .. و نفذت هذا فعلا .. ولا أخفيكم أشعر بتحسن كبير .. حتى مع وجود شبح حرب يتكلم عن الصحفيون و يجعجعون حوله..

مما لا أنساه أيضا أن هذه الفترة ليست مناسبة للقرارات المصيرية .. و تأجيل أي قرار لما بعد تلك السنة هو أمر  مستحسن ليس في رأيي فقط لكن في رأي الكثيرين ممن خاضوا هذه التجربة .. بمجرد الانتهاء من الحدث المهم الأول وتثبيت الأقدام على الطريق يمكن الحديث أكثر حول أي موضوع مصيري ..

بعد انتهاء المرحلة الاولى في رحلتي هذه التي أرجو أن يربط الله على قلبي لأتمكن من اتمامها بأقل اضرار نفسية و ثقافية و علمية حزمت حقائبي وعدت الى الديار لأقضي شهرا كاملا لا أفكر في أي شيء يتعلق بالفيروسات أو السياسة.. لا من قريب ولا من بعيد .. أحيانا كان يستفزني خبر صحفي فأذكره .. لكنني أقر هنا وعلى مرأى الجميع أن الفيروسات مع السياسة  أو مرحلة الدكتوراه و السياسة لا يتفقان نهائيا و عليه أوصي و أنصح ألا يتم الاهتمام بالاثنين في وقت واحد فبلية واحدة تكفي ..

لا يقولن أحد إذن انها رحلة سعيدة ! إن الدكتوراه هي مرحلة ابتلاء حقيقية :) فنسأل الله الأجر و الثواب

انتهت الألف

Cheers

سنة أولى دكتوراه -1-

لم يعد يستفزني بياض الصفحات لأملأها أو لأحكي عن أمور قد لا تعني أحدا سواي .. لكنني أشعر برغبة في بعض الثرثرة .. ربما أريد أن أوثق التالي لأقرأه لاحقا .. فأنا والنسيان أصدقاء مقربون وبيننا من الحميمية ما الله به عليم ..

السنة الأولى في الدكتوراه كانت باختصار مليئة بالألم و الضياع و الانهيارات المتوالية ان دق التعبير، و ليست هذه الكلمات عاطفية بل هي واقعية تماما و عملية

يعتقد الكثيرون ان الدكتوراه هي رحلة سعيدة تتركز في جد الطالب و اجتهاده و مذاكرته ليتخطى المسائل العلمية و يحصل على الدرجة قحسب بينما الواقع غير ذلك تماما .. المشاريع التي نقررها لهذه المرحلة باختصار ليست كما تبدو جميلة على الورق ..

حين نرى المشروع على ورقة العرض او البروبوزال، نجده مشرقا متفائلا مليئا بالجمال ، قيمته العلمية الثقيلة تريحنا و تقنعنا لنقرر أن نقضي من عمرنا السنوات الأربع أو الست او الثلاث او حسبما تقتضيه الخطة متعلقين بشيء واحد و بمشروع واحد لا نفكر بغيره ..

نفاجأ أن الواقع غير الأوراق و أن الدكتوراه ببساطة و عالم البحث العلمي ببساطة ينص على قاعدة مفادها :”لا شيء يمشي حسب الخطة” ..

الكثيرون ممن عملوا خلال مرحلة الدكتوراه قرروا التوقف في مرحلة من المراحل لأنها قضت على الكثير من تطلعاتهم، على الكثير من آمالهم و أحلامهم بمستقبل جميل

حين رأوا ما فعلته هذه المرحلة في نفسياتهم و آدائهم اليومي و ما فعلته هذه المرحلة من تحطيم لعلاقاتهم الجميلة مع أصدقائهم القدامى أو اقربائهم او حتى شركاء حياتهم .. قرروا انها فعلا غير مجدية

قد يعتبره أحد ما فشلا ذريعا، لكن لمن يعيش أيام هؤلاء و عذاباتهم يعرف انهم ليسوا فاشلين تماما بل قرروا ما يناسبهم.. وعلموا ان هذه المرحلة لا تناسبهم .. في رأيي ان هؤلاء لا يتمتعون بالقدر الكافي من العناد .. و أحيانا لا يتمتعون بالقدر الكافي من البلادة .. : )

على كل حال ليست هذه قضيتنا، أعني أن قضيتنا ليست فيمن ترك الدكتوراه في مرحلة من مراحله فلكل طالب دكتوراه همومه ومشاكله و آلامه وخيباته و انسحاباته .. قضيتنا اليوم هي باختصار : ” كيف تنجو من سنتك الأولى في الدكتوراه” ..

و لأقوم بشيء مغاير، لن أضع قائمة من النصائح هنا .. لكني سأضع أخطائي و أخطاء بعض ممن أعرف حتى لا يقوم بها من يقرأ هذه الكلمات في سنته الأولى و حتى لا يعيش نفس المعاناة ..

ولأسهل الأمر أكثر أفيد بأنني أدرس الدكتوراه في الاحياء الدقيقة و وبائيتها في جامعة أسترالية في مدينة برزبن .. أي انها لغة مختلفة تماما ..

باديء ذي بدء كان العائق الأول لي و ما تهيبت منه هو اللغة .. وعلى الرغم من أن لغتي الانجليزية جيدة جدا و انني استوفيت شروط القبول في الجامعة منذ الاختبار الأول، إلا أن الخطأ الذي ارتكبته انني تكاسلت عن القراءة المطولة و تلخيص المقالات واختبار قدراتي باستمرار .. اكتفيت فقط بالقراءة السريعة التي تعطيني فكرة عن المقالة و عن الدراسة التي تناولتها.. اكتشفت بعد فترة طويلة أن هذا لا يكفي و أن الأستراليين أنفسهم يقرأون المقالات اكثر من مرة ليتأكدوا من فهمها الصحيح السليم .. لم أكن افعل ذلك بالطريقة الصحيحة.. ما فعلته في النهاية هو القراءة و التلخيص و الجداول و الأشكال الشجرية وكل ما يساعدني شخصيا في تذكر المعلومة .. و حتى مع هذا كان تعليق المشرف الدراسي الموجع انني احتاج لأبذل مزيدا من الجهد في هذه النقطة .. أن الخص المقالات بشكل سليم و استنبط منها المعلومة .. ما سأفعله في المرحلة التالية هو ملازمة خبير و التغلب على عائقي الثاني وقد قطعت فيه شوطا كبيرا حتى الآن ..

عائقي الثاني أنني كنت خجولة  من السؤال، للأسف اكتشفت لاحقا ان السؤال هو مفتاح التعلم في استراليا وأنك ان لم تسأل فلن يتطوع أحد ليفيدك بمعلومة .. الخجل أيضا يشعر الآخرين بالحرج عند الحديث معك فيتجنبونه .. و هذا غير مفيد على الاطلاق .. كنت أيضا ارى كل شيء “مثيرا للاهتمام” .. لا يكفي أن تكون المسألة مثيرة للاهتمام فحسب .. بل هي مهمة وينبغي أن نتوسع فيها طالما صادفتنا في مسيرتنا الدراسية اكثر من مرة .. ما يميز الأستراليين عن غيرهم أنهم  (وخاصة علمائهم) مقتنعون أنهم لا يعرفون الكثير .. وأن الجميع تلاميذ .. وهذه النقطة تجعل من السهل علي القاء اسئلة مبتدئين.. وقد صرحت بذلك أكثر من مرة

” هل يمكنني أن اسأل سؤالا ساذجا؟ “

كان رد الفعل الدائم هو الابتسام ، وفي أحيان كثيرة تحضر الاجابة الى ذهني بمجرد القاء السؤال و أجد أنني فعلا أعلم بعض الأشياء .. : ) و أبدأ في الاستطراد حتى أن الزملاء ذكروا اكثر من مرة أنهم لا يعلمون اجابة افضل من استطرادي .. وهنا أقول أن بعض الحيل تنجح بالتأكيد ..

واحد من الأمور التي كررتها كثيرا انني سمحت لمزاجي بالانحدار لمنطقة تقع تحت مستوى سطح الـ .. بحر ..

بحر الكفاح ربما ..

في السنة الأولى لدينا ما يكفي من الهموم و المشاكل .. وليس من المفيد أبدا أن اتغيب عن مقر الدراسة لأنني لا أشعر برغبة في الخروج اليوم أو لأنني محبطة بسبب الأخطاء المتكررة ..

الأخطاء هي سمة السنة الأولى .. و فكرة أنني طالبة دكتوراه و أنني ينبغي أن اكون بمستوى المرحلة في اول سنة هي ببساطة “فكرة غبية” .. ما ينبغي تذكره دائما أننا في هذه السنة نخوض في تفاصيل كل شيء ..ومعلومة عارضة  في مرحلة البكالورويوس او الماجستير قد تطلب منا بحثا يستغرق ساعة ليس فقط لتأصيلها ولكن لاثبات انها لازالت قيمة ..

لذلك فالاخطاء واردة، و انحدار المزاج بسببها لا ينفع أبدا في تجاوزها .. بل يزيد الأمر تعقيدا .. كما ان انحدار المزاج يشبه كثيرا كرة الثلج .. يبدأ عادة صغيرا و في نهاية اليوم يفقد المرء السيطرة على أعصابه تماما .. و يدخل في المرحلة الأخطر ” القلق” و الخوف من المجهول .. في حين أن لو تأمل الشخص الواقع لوجد الأمور أهون بكثير مما يتخيله ..

من أخطاء السنة الأولى كذلك كانت التسويف .. وهذا مرده الرئيسي اننا في السنة الأولى نعتقد ان لدينا الكثير من الوقت .. في الواقع ليس لدينا أي وقت على الاطلاق .. فلدينا الكثير الكثير من العمل لننجزه في هذه السنوات القليلة و الكثير لنتعلمه من أساليب ومهارات تنفعنا للاستقلال بذواتنا كعلماء في نهاية هذه المرحلة ..

خطأ اخر هو التعلق بمشكلة لفترة طويلة .. بالنسبة لي قضيت فترة طويلة لأحل مشكلة تافهة جدا في البحث كان ينبغي أن اقف بحزم امام الفريق و ابلغهم بقراري فيها خاصة انها لا تحتاج لاثبات علمي و حلها كان في اختيار التخفيف المناسب .. كذلك احدى الزميلات قضت قرابة السنة تكرر خطأ يصل بها الى طريق مسدود .. خطؤها كان الاعتماد على طريقة غيرها بدون النظر فيها .. وهذه من اخطاء السنة الأولى التي تتكرر كثيرا بسبب قلة الخبرة في المجال ..

مما لا أنساه أيضا قضاء وقت طويل في الحديث عن أمور لا تتعلق بالعمل .. و هذا سببه فضول الأجانب في معرفة تفاصيل حياتنا ومعيشتنا وثقافتنا .. و رغم أن هذا الأمر مفيد جدا في تقوية المحادثة .. لكن وقت العمل هو للعمل .. و كذلك انني كنت ادخل همومي الشخصية معي الى المختبر في حين أن ما فعلته في الشهرين الآخيرين اثبت لي ان الخير كل الخير في الانغماس في العمل و البحث و ترك الهموم الشخصية لوقت اكون فيه خالية البال ..

لازال للحديث بقية .. لكنني تجاوزت كلماتي الألف و لا أريد الاطالة عليكم ..

أراكم قريبا ..

CHEERS

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=7530

الوطن -د.عائض الدوسري

شبابنا الملتاثون بفكر الإلحاد هم في ذمتنا يا سادة

“كما وأجزم بأن تلك المقارنة البسيطة الرائعة بين الإنجاز البشري الضئيل اللامتناهي في ضآلته (على أهمية النسبية لنا) وبين الإبداع الكوني العظيم اللامتناهي في عظمته (والذي لا نكاد ندرك هيبته وملكوته) هو ما قاد كافة عباقرة البشرية وعلمائها إلى نور اليقين، وأحاط بذور الإيمان المزروعة في فطرتهم بالرعاية وا

“كما وأجزم بأن تلك المقارنة البسيطة الرائعة بين الإنجاز البشري الضئيل اللامتناهي في ضآلته (على أهمية النسبية لنا) وبين الإبداع الكوني العظيم اللامتناهي في عظمته (والذي لا نكاد ندرك هيبته وملكوته) هو ما قاد كافة عباقرة البشرية وعلمائها إلى نور اليقين، وأحاط بذور الإيمان المزروعة في فطرتهم بالرعاية والحنين، فأنارت ألبابهم، وهدتهم إلى الله ـ جل وعلا ـ على مرّ العصور”. إينشتاين.
مع هذا الانفتاح العولمي الذي نعيش، عبر وسائل الميديا عميقة الأثر والتأثير في أجيالنا، ومع احتكاك كثير من أبنائنا بثقافات ونظريات لم تمرّ عليهم، وهم غير مسلحين أبداً بالتصوّر الإسلامي الفذّ للكون والحياة وخلق الإنسان؛ تاه هؤلاء أمام الأسئلة الوجودية الكبرى التي صادفتهم، إن كان في حوار (شات) مع ملحدين، أم في قاعة علمية في جامعات الغرب لأبنائنا المبتعثين، أم في مطالعة فضائية يتحدث فيها أولئك الناكرون لوجود الله، أم في مواقع الشبهات المتناثرة في (الإنترنت)، واستعجمت على شبابنا الإجابات التي تزيل ما بنفوسهم من شكوك، تحوّلت بفعل الوقت وتوالي القراءات؛ إلى شيء من اليقينيات لديهم، ووجدتهم مغادرين إلى مرحلة الشك في وجود الخالق القدير، ومن ثمّ إلى مستنقع الإلحاد الكامل عياذاً بالله.
معظم هؤلاء الشباب من الذين توافروا على قراءات فلسفية، وأصابهم ما يمكن تسميته “غرور التثقف” في ميعة أعمارهم تلك، التي تتلبس عادة أولئك الشباب الجادين في القراءة والمعرفة، تجعلهم يتعمّدون الاختلاف عن باقي لداتهم، وما هو سائد في مجتمعهم؛ يعيشون فورة عمرية لا تلبث أن تتراخى وتذهب مع تقدم العمر، إلا أن البعض تستولي عليه إلى نهاية عمره، وتسوء خاتمته عياذاً بالله.
يحكي لي الشيخ الصديق عايض الدوسري أنه في بعثته ببريطانيا التقى شباباً وشابات من أبنائنا توحّلوا بأفكار إلحادية، وعندما عاد بعد سنوات قضاها هناك، ألفى ثلة أخرى في الرياض تناقشه حول أسئلة الوجود، والجيّد فيهم أنهم طالبو حقّ، بعد أن دخلوا تيهاً فكرياً عاتياً، وكانت له جلسات طويلة معهم، أفلح في إرجاع بعضهم إلى جادة الدين، بمعنى أن المسألة لا ترتبط بمكان أو زمان، بل هي من الموضة التي تروج في هذه الأيام، ومن الخطل دفن رؤوسنا في الرمال، والإعراض عن بداية هذه المشكلة التي أخشى أن تتحول إلى ظاهرة لا سمح الله.
ما يدعوني هنا، إلى التوجه لسادتي العلماء والدعاة، وعلى رأسهم وزيرنا الخلوق صالح آل الشيخ، وهو الذي خبر دهاليز التيه تلك عبر تمكنه العلمي العقدي، سبَر كتابات علمائنا القدامى في العصور الفارطة في الردّ على الحلاج وابن الفارض وابن عربي، وكثيرين مرّوا في تأريخنا الإسلامي؛ أن يولي هذا الموضوع اهتماماً أكبر، وينشئ قسماً خاصاً في وزارته، يحشد فيه المتخصصين من كافة العلوم الشرعية والإنسانية، ممن هم قادرون على الإقناع الفكري العقلي، ويجدول ظهورهم في وسائل الإعلام المختلفة بطريقة ممنهجة، ويفتح مواقع خاصة في شبكة (الإنترنت) لمحاورتهم بطريقة تناسبهم، فإشكالية هؤلاء أنهم لا يؤمنون إلا بالعقل والعقل فقط، ويبقوا أنهم فلذاتنا وشبابنا، ومن حقهم علينا مناصحتهم ومناقشتهم، وتبديد الشُبه التي علقت بنفوسهم، والحمد لله أن هذه الشُبه تتبدد بسهولة، لأن ما لدينا من حقائق وبراهين تنسف كل تلك الشكوك التي رافقت نشأة الإنسان، والتي هي ليست وليدة العصر.
من أجمل ما قرأت في هذا الموضوع، والذي ملأني يقيناً، وما دعاني لكتابة هذه السطور في الحقيقة، لأوجّه بها جمهرة الدعاة والمثقفين الذي يهتمون لهذه الموضوعات؛ هي تلك السلسلة النفيسة التي أصدرتها (المجلة العربية)، وكانت بعنوان: (رواد المعرفة عبر القرون: من أرخميدس حتى هاوكينج) للمؤلف د. ملفوريد أ. بكوفر، وقام بترجمته د. إيمان الجنابي، فالسلسلة تحكي عن أهم نظريات الكون العلمية التي توصل لها كوكبة علماء الغرب، مع سير حياتهم، وبعض مقولاتهم عن ارتباط الدين بالإيمان. والحقيقة أنني استغرقت في قراءة ماتعة، كون أفذاذ العلماء أولئك الذين خدموا الإنسانية، ممن مرّت نظرياتهم العلمية في دراستي الجامعية، وأبدع المؤلف في تبسيط تلك النظريات وما قاله مجايلو أولئك العلماء عنها، ولعلي أبعث في هذه السطور بشكر خاص لرئيس تحرير (المجلة العربية) أخي الدكتور عثمان الصيني الذي قام بسدّ ثغرة كبيرة ـ عبر هذه السلسلة الرائعة ـ في المكتبة العربية، وأدعوه للاستمرار بهذا النهج، فقد مللنا كتب الأندية الثقافية التي تتحدث عن النص والتناص، وتلقاها مركونة على الطاولات أو غرف الفنادق لا يعبأ بها أحد.
بتصوري لا غنى عن المتصدين لموضوع الإلحاد من الإفادة من تلك السلسلة، يقول المؤلف في بعض أجزاء الكتاب: “كان ما سبق سرداً مقتضباً لسير زمر علماء عظام لا يكاد الباطل يجد لقلوبهم طريقاً، أناس جبلوا على الإيمان الصادق والتوحيد العميق، وتشرفوا بإعلان تدينهم، وعزوا إنجازاتهم العلمية لوازعهم الديني وإيمانهم الصادق لا غير، وعلى رأس هؤلاء علماء أجلاء من أمثال فراداي، ووليم ثومسن واللورد كالفن وجيمس مكسويل وجول”.
ولعلي أهمس لبعض هؤلاء الشباب الملتاث بهذا الفكر، بأن اختصروا الطريق، واقرؤوا في سيرة من سبقكم إلى هذا الطريق، وكيف انتهوا بعد قطع أشواط طويلة فيها، وعادوا من جديد لجنّة الإيمان، دونكم المفكر المصري مصطفى محمود، ورحلته من الشك إلى اليقين، وإليكم نموذجاً آخر وهو الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي، الذي رحل إلى عالم الوجودية الملحدة، وقضى عمره فيها، وفي نهاية حياته وقد وصل لعمر الخامسة والثمانين، قال في لقاء نشرته مجلة (الحرس الوطني): “لا أستطيع أن أعبّر عما بداخلي من إحساس الندم الشديد، لأنني عاديت الإسلام والتراث العربي لأكثر من نصف قرن، أشعر الآن أنني بحاجة إلى من يغسلني بالماء الصافي الرقراق، لكي أعود من جديد مسلماً حقاً، إنني تبت إلى الله، وندمت على ما فعلت..” شبابنا الملتاثون بالشك هم في ذمتنا، ومن حقهم المناصحة، والكرة في ملعب رأس الدعاة وكبيرهم وزيرنا للدعوة صالح آل الشيخ.

عقولنا تحت القصف

قبل سنوات ليست بالقليلة، اتصل بي أحد الشباب مبديًا رغبتَه الشديدة في مقابلتي بصورة شخصيَّة، رحبتُ به ودعَوتُه لزيارتي في منـزلي، وقد خُيِّلَ إليَّ من حديثه المرتبك، والقلق في الهاتف، أنه يُخفي بعض الأسئلة الخاصة والحرجة.

أتى إليَّ في الموعد الذي تم تحديده، وكان أولَ شيءٍ استوقفني منه مظهرُه، الذي يوحي أنه شاب متدين فاضل.

لقد كان مترددًا في طرح ما عنده، متحفظًا غاية التحفظ؛ ولذا بدأتُ في الكلام لأبيِّن له أنني لا أحب الرسميات، وليس عندي أي تحفظ في مسائل التدارس والتعلم للوصول إلى الحقائق، وكلنا نتعلم من بعضنا، وكلنا قد يُشكل عليه أشياءُ كثيرة.

وجَدَ في هذه الكلمات راحة نفسية، ومع ذلك قال بحذر ومداراة: هناك بعض الأخوة تُشكل عليهم بعضُ الأفكار، وتزعجهم بعض الخواطر، ولم يجدوا لها حلاًّ!

ثم أكمل كلامه – وقد أزعجه الارتباك – بقوله: أحد الزملاء عنده بعض الأسئلة الخاصة جدًّا، وهو يخاف أن يسأل أحد العلماء أو طلبة العلم؛ لما سيترتب عليه من مشاكل معتادة، وقد قصدتُك؛ لعلمي باهتمامك بهذا الموضوع.

فقلتُ: على الرحب والسَّعة، سواء كانت تلك الأسئلة لصاحبك أو لك.

تلعثم وارتبك ثم قال: لا، لا، ليست لي؛ بل لصديقي.

بدأ في طرح أسئلة تدور حول “المسائل الوجودية الكبرى” وناقشني فيها، وبعد نهاية كل مسألة يُوفِّق الله – تعالى – للإجابة عليها بصورة شافية، أرى وجهه يتهللُ استبشارًا، عندها أيقنتُ أنها أسئلته، وليست أسئلة غيره.

كان ذلك منذ زمن، ثم ازداد اهتمامي بهذا الموضوع، وأمضيتُ سنوات ليست بالهينة في دراسة بعض الشخصيات القلقة في الوسط الإسلامي؛ من أمثال: أبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، وانتهاءً بعبدالله القصيمي، وقد نشرتُ بعضًا منها في بعض الصحفِ والكتب.

كنتُ أعتقد اعتقادًا جازمًا أن بلادي – السعودية – في منأى عن تلك الأخطار الفكريَّة، كان ذلك اعتقادي الراسخ حتى زمنٍ ليس بالبعيد، إلا أن مظاهر العولمة والانفجار الثقافي الهائل، والذي خرج كالمارد من قمقم وسائل البث المباشر والاتصالات الحديثة؛ كالقنوات الفضائية والإنترنت، ثم التقارب الفكري والثقافي الهائل مع الآخر – جعل أبوابَ المجتمع مفتوحة على مصراعيها لكل شاردة وواردة، ولكل فكرة وعقيدة، هذا الانفجار الثقافي جعل “الكتاب الإلكتروني” بصيغه المختلفة في متناول الجميع، وبضغطة زر واحدة يصبح أي كتاب – مهما كان مَشربُه – بين يديك.

إن هذه الظاهرة البشرية، والعولمة الثقافية، فتحتِ الأبوابَ على مصراعيها، وجعلت عقول الشباب تحت القصف الدائم والمركَّز مِن الآخر، ومَن يتبع له من المتعاطفين معه، فأنتجت أسئلة فكرية وعقدية جديدة، في إطارٍ فارغٍ من أي فكرٍ أصيل عند هؤلاء الشباب، وساعد على تنامي ذلك غفلةٌ من أهل الفكر الأصيل، فتشكلت قناعات جديدة، ورؤى حديثة، وأصبحت هذه الأسئلةُ المحمومة، والأفكارُ الجديدة نشطةً في أوساط بعض الشباب والمراهقين، والذين لم تكن لهم خلفية ثقافية دينية متينة. ولعل ما نسمعه أو نشاهده اليوم من روايات أو قصص أو مقالات صدرت من هؤلاء الشباب، ليس إلا القطرات الأولى من هذا الطوفان القادم، طوفان التمرد الفكري بكافة مستوياته وأشكاله.

إن هذا المخاض والحِراك الدائب، يتم في غفلة طويلة، ونوم عميق من قِبَل المهتمين والمختصين بالشأن التربوي والديني، وإنني أزعم أننا في هذا الوقت نواجه تمردًا فكريًّا مقنَّعًا، وعما قريب -لا قدر الله – سيصبح تمردًا علنيًّا، قد يقلب معادلات كثيرة، ويغيِّر تصورات عديدة كانت راسخة ونمطية عن مجتمعنا، قد يحدث هذا في أي لحظة؛ ما لم يُسارع أهل الاختصاص في التدخل لوقف أو تخفيف حدة هذا الطوفان المستـتر، والحديث هنا ليس عن تمردٍ على أعرافٍ، أو آراء معينة سائدة، أو اختيارات فرعية، وإنما تمردٌ يمسُّ الأصول الكبرى لعقيدة الإسلام النقية.

لقد كانت الشهوات – التي تزيِّنها وتدعو إليها أغلب القنوات الفضائية – هي الخطرَ الأعظم الذي كان يواجهه الشبابُ، وكان المشايخ والدعاة والوعاظ يركزون جهودهم عليها تحذيرًا ومعالجة؛ لكن موجة أخطر وأعظم – يَهون عندها ذلك الخطر – وهي موجة الانحراف الفكري، والخلل العقدي، أصبحت اليوم على وشْك اقتحام عقول الشباب بشكل كبير؛ بفضل القنوات الفضائية، ومنتديات الإنترنت، والروايات.

إنها حرب عقائدية وفكرية، تستقطب كافة القدرات والعقليات؛ لزعزعة الثوابت العقائدية، وخلخلة الأمن الفكري عند الشباب، وإنني أزعم – آسفًا – أن تلك الحرب نجحت نجاحًا كبيرًا في التسلل إلى شريحة من شبابنا، في ظل غفلتنا وتساهلنا.

لقد شُغل أهل الفكر ونُخب المثقفين والدعاة، عن هموم الشباب – ذكورًا وإناثًا – وخصوصًا أسئلتهم الحرجة والذكية، بصراعات ومعارك داخلية، فتَّت في اللحمة الفكرية، وشككت الشباب في قيمهم ورموزهم، كما حصل في المواجهات التي دارت بين بعض طلاب العلم في الفترة الماضية حول مسائل منهجية تتعلق بمسيرة الدعوة إلى الله، أكثرها مما يقبل الاجتهاد والتأويل.

لقدأنتجت تلك المعارك ضحايا، وبأشكال مختلفة، وخرَجت من تحت عباءتها تياراتٌ جديدة، نفضت عنها غبار وأنقاض تلك المعارك؛ كالعقلانية الإسلامية، والإصلاحية التنويرية، والليبرالية الإسلامية، كما يسميها البعض، لقد كان أغلب هؤلاء هم من أبناء الصحوة السابقين، والذين أرادوا أن يُبينوا عن سخطهم على ما حدث – بالإضافة إلى أسباب أملتْها طبيعة المرحلة – بانتحال تلك الأشكال الجديدة للتصحيح، مع بقاء بعضهم في الأغلب – محسنين الظن – داخل إطار المبادئ الكلية للإسلام.

وأنتج الوضع الجديد معركةً جديدة بين التقليديين – كما يحلو للبعض أن يسميهم – وبين فريق التنويريين والعقلانيين والليبراليين الإسلاميين – كما يصفون أنفسهم- وتمحور الصراع حول شرعية مبادئ الحرية، والديمقراطية، والعدالة، والأنسنة، والمجتمع المدني، والموقف من الآخر، مع رفع الفريق الثاني شعارَ التمسك بالأصول والثوابت، كما يفهمها هو.

وقد استنـزف هذا الصراع قدراتِ الطرفين، وهممَه وجهودَه، وضم فريق شعارات التنوير أطيافًا عديدة ومختلفة ومتناقضة من اليمين إلى اليسار، وربما استقوى في ذلك بأطراف خارجية، حتى وصل الحال بقلة منهم إلى الخروج من الدائرة بشكل كلي، وإعلانه الانسلاخ من كل ما يمت إلى الأمة من مقدساتٍ وثوابتَ.

وفي موازاة تلك التيارات التنويرية وما رافقها من نقد وانتقاد، كان هناك تيار آخر يتشكل في ضوء الوضع الجديد، وهو تيار شبابي حديث، منقطع عن الجذور، ومتمرد على التصورات التقليدية والتنويرية، منكر للرب، هاجر للعبادات، ويقتات على النقد والصراع الجديد بين ما يُسمى بالمحافظين والليبراليين الجدد، وتجاوزت ذلك – بفضل التقنيات الحديثة، وإجادة اللغات الأجنبية، والابتعاث – إلى الارتكاز والتمحور حول الروايات الأجنبية بمختلف أشكالها، والكتب الفلسفية، وأطروحات المذاهب الفكرية الحديثة، فأنتج ذلك المخاض جيلاً شبابيًّا منقطع الانتماء والجذور عن مجتمعه، يحمل ثقافة مستوردة، قائمة على الشك، وناقمة على الثقافة المحلية، وحاقدة ومبغضة للنمطية، تتخذ النسبية دينًا، ولا تعترف بوجود حقائق ثابتة، كل ذلك مع ضعفٍ شديدٍ في التصورات الشرعية.

ومما زاد الأمرَ سوءًا، عند هؤلاء الشباب، أمران:
الأول: الحملة المحمومة في وسائل الإعلام على المتدينين، وعلى أنماط التدين، تلك الحملة الشاملة في الصحف والقنوات والمسلسلات، والتي تناولت الدين والمتدينين دون معرفة دقيقة أو تمييز، ودون حسبان للجوانب السيئة والنتائج الخطيرة التي سوف تنتجها حملة التشكيك والتشويه، مع أمنٍ مِن محاسبٍ ورقيب.
لقد ربطوا مظاهر الدين والتدين في تعاطيهم معها – يُظن أنها مقصودة ومدروسة – بالإرهاب، والعنف والتطرف، وسوء الأخلاق، والغباء، والجهل، والتدمير. لقد كانت حملة مركزة، وجرعة قاتلة، حطمت إلى حد كبير أسس القوة الناعمة (أي قوة القيم والمبادئ وأسسها الفكرية) التي كان المجتمع يتحلى بها.
الثاني: ممارسات منحرفة حملت بصمة التدين؛ كما فعلت الفئة الضالة في ترهيب المجتمع، بالإضافة إلى تصرفات كثيرٍ من المتدينين – على الأقل في الظاهر- والتي تحلت بالقسوة والخشونة في التعامل مع الآخرين، والتحزبات والتكتلات داخل مجتمع المتدينين، ووُجِدَ منهم مَن انبرى لتصنيف الناس، وكأنهم قضاة في محاكم للتصنيف، كل ذلك أدى – إلى حد كبير – إلى تحطيم لحمة البناء الداخلي وتصدُّعه، وخروج تلك الصراعات القاسية والخشنة للعلن، وتجاوزت دائرتَها الضيقة وانتقلت إلى عامة الناس، وتعصب بعض طلاب العلم لبعض العلماء ضد البعض الآخر، وازدادت الشُّقة، واتسعت الهوة بين العلماء أنفسهم وأتباعهم من طلبة العلم، حتى تساءل الناس: ما هي الجامية، وهل هي الجهمية؟ وما هي القطبية، وهل لها علاقة بالقطب الشمالي، أو الأقطاب الصوفية؟!
ولماذا العالم الفلاني الكبير يسفه رأي العالم الفلاني الآخر في مسائل فقهية فرعية؟ وكل ذلك يجري على الصفحات اليومية للصحف ومواقع الإنترنت على الشبكة العنكبوتية المفتوحة للجميع.

نشأ وترعرع هذا الجيل الجديد في هذه البيئة التنازعيَّة القلقة، وأضحى الواقع يفرز – بطريقة مقصودة وغير مقصودة – شبابًا لا يؤمن بثوابته؛ بل يزدريها ويحاربها، وقد ظهر شيء من آثاره من خلال الروايات التي تُطرح بين حين وآخر، ومن خلال اللقاءات التلفزيونية والكتابات الحادة – والتي تصل إلى الإلحادية – والتي تنقلها لنا الشبكة العنكبوتية ومنتديات الإنترنت، التي تزعم أنها سعودية!

لقد كنتُ أُشكك في انتماء كثير من تلك الأسماء – التي تكتب في تلك المنتديات – إلى وطننا، وكنتُ أظنهم أجانبَ يتخفون بالأسماء الوطنية؛ لتمرير أفكارهم الإلحادية، لكن بعد متابعة دقيقة لتلك المنتديات وتلك الأسماء، وطريقتها في الكتابة، ولغتها ولكناتها، وما كُشف منها عن طريق الصدفة، دلَّ دلالة واضحة أن كثيرًا منها ينتمي لنا ولبيئتنا، وهذه حقيقة مؤلمة جدًّا.

ثم زاد قناعتي الجديدةَ رسوخًا، ما حدث لي شخصيًّا في السنوات الأخيرة، حيثُ قابلتُ واتصل بي كثير من الشباب الذي يُخفي إلحاده، أو على أقل تقدير شكوكه في كل شيء!

لقد زارني – فقط – السنة الماضية في مدينة الرياض ما يُقارب ثمانية من الشباب، كلٌّ منهم على حدة، وهم – والله – من أذكياء الشباب، وعلى قدرٍ عالٍ من الثقافة العامة، وقد صارحوني بإلحادهم، وأنهم يريدون الحوار الأخير؛ لكي يصيروا إلى إحدى نتيجتين لا ثالث لهما: إما أن يستقروا على إلحادهم، ويصلوا إلى يقين في ذلك، وإما أن أُشككهم في إلحادهم، لنبدأ الطريق من جديد نحو الإيمان.

لقد قال أحدهم: بقي لدي 1 % من القابلية للإيمان، وأتيت لك لأمتحن هذه النسبة، وأقطع الأمر. وأحدهم أخبرني برغبته في الانتحار. وآخر يقول: إني كل يوم كأني آكل الثلج المالح؛ بسبب الشبهات الإلحادية التي تعصف به، وتزلزل كيانه. وإحدى الفتيات كانت مُتدينة، وشديدةَ الحماسة للدفاع عن دينها، وهي على خُلقٍ عالٍ وثقافة جيدة، وبعد سنوات من دخول الإنترنت، ومحاورة الفرق والطوائف والأديان المختلفة، أصبحت ملحدة!

أحد الشباب الذين سافروا للابتعاث إلى إحدى الدول الأوروبية، وكان من أذكياء الشباب، وقد أعجب به مشرفه الأكاديمي، وكان المشرف ملحدًا، فاختصه بالعناية والرعاية، يقول لي هذا الشاب: “لقد أطلعني مشرفي على خفايا حياة الخلية، والصراع داخلها، والفوضى التي تعم الحياةَ كلها من أعماق المحيطات المظلمة، حيث تتصارع الحيتان بلا هوادة، إلى الحشرات الدقيقة التي تسبح في الآفاق، لقد أقنعني بالإلحاد، وأصبحتُ ملحدًا”.

ومجموعة أخرى من الشباب، يتجمعون كل نهاية أسبوع، ويعقدون جلسات فكرية، تُروَّج فيها الأفكار، وتوزَّع فيها الكتب الإلحادية. ومجموعة أخرى من طلاب التخصصات العلمية يُناقشون نظرية “تشارلز دارون” بإعجاب وإكبار، ويعبِّرون عن إيمانهم بها في ثوبها الجديد المطور، وأنه لا وجود لخالق لهذا الكون، وكل هذا بفضل ما تبثه بعض القنوات العربية، والمحسوب بعضها على السعودية.

بعض هؤلاء الشباب الذين التقيت بهم، أخبَروني أن أصحابهم كثرة كاثرة، ولكنهم يبقون قلة خطيرة في مجتمعنا، وأنهم لا يرغبون في الحضور في هذا الحوار؛ لسببين: إما الخوف، وإما أنهم لا يحتاجون إلى هذا الحوار؛ لقناعتهم بما هم عليه.

إن ما مضى ليس إلا مجرد عرضٍ سريع لواقعٍ يجهد في التخفي، وإلا فإنه أكبر وأشمل من أن تحيطه مثلُ تلك الكلمات، لكنني أرغب بإلحاح أن أعقبَ على ما سبق ببعض النقاط المهمة، وسوف أتحدث في الحلقة القادمة – بإذن الله – عن دور الدولة ودور العلماء في هذه المرحلة.

تحدثتُ فيما سبق عن توصيف الحالة التي يمر بها بعض الشباب من أبناء هذا الجيل، والملابسات التي أفرزت ذلك، أما الآن فسوف أتحدث عن واجبنا جميعًا تجاه هذا الجيل، دولةً وعلماءَ وطلابَ علم.

أولاً: دور العلماء في صيانة عقول الشباب:
مما يحزنني حزنًا شديدًا، أنه حينما يسعى بعض العلماء لتنبيه العلماء وطلاب العلم إلى وجود تلك الحالات، وما يترتب على انتشارها من خطر، في ظل غياب دورهم المهم في دفعه، يُواجَهون – للأسف – ببرود وتجاهل، وتكرار عبارة: نحن بلد التوحيد!

هذا صحيح، لكننا نتعاطى مع بشر، ومع شبابٍ ومراهقين، قد طمعت فيهم الجهات المشبوهة، والمنظمات الدولية، وربما بعض (الطوائف والفرق)، وغفل عنهم الرقيب، وغاب المثال الصالح، وتصارعت الأفكار أمامهم، وتساقطت الرموز، وقَصَفَتْ عقولَهم الأفكارُ الخارجية، مع لين العود، وحداثة السن، وقلة المحصول الشرعي، فماذا تنتظرون من هؤلاء؟

إن الأفكار عند هؤلاء الشباب الطريين تبدأ بشكل وساوس عابرة، ومع تجاهلنا لهم، بل وخوفهم منا، تزداد تلك الوساوس والإيرادات، لتصبح إرادات، ثم اعتقادات راسخة.

والحديث هنا ليس عن بعض الكتبة المفتونين، من أرباب الشهوات، وطالبي الشهرة، الذين يُلبِسون شهواتِهم ونزواتهم لباسَ الفكر والفلسفة، وإنما حديثي عن شبابٍ نابهين صادقين مع أنفسهم، غير أن الحيرة تحيط بهم، وتزعزع تصوراتهم، وغالبًا ما يتصفون بالذكاء والنباهة، والرغبة في اقتحام كل مجالٍ فكريٍّ يشرعُ أمامهم، فورود الإشكالات الفكرية والشبهات العقدية على أمثال هؤلاء أصبح أمرًا مألوفًا في هذا العصر، يتعرض له المؤمن المثقف، فضلاً عن الشاب الغر السطحي، وإن من أقل واجبات العالم حمايةَ هذا الجيل من مخاطر تلك الأفكار المسمومة.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه: “وأما المؤمن المحض فيعرض له الوسواس، فتعرض له الشكوك والشبهات وهو يدفعها عن قلبه، فإن هذا لا بد منه”.

وكيف يستطع هؤلاء الأغرار أن يدفعوا شبهات الإلحاد عن أنفسهم، وفاقد الشيء لا يُعطيه؟ وكيف لهم أن يدفعوها بواسطة العلماء وهم يُخوَّفون منهم، فيحال بينهم وبين الوصول إليهم؟!

لقد حدثني أحد الشباب – الذين تأثروا ببعض الشبهات – أنه ذهب إلى أحد العلماء الكبار؛ كي يدفع عنه آثار تلك الشبهات بالحجج العقلية والنقلية، فإذا به يُصدم بهذا العالم الجليل وهو يطرده من مجلسه، ويُهدده باستدعاء الشرطة!

لقد بيَّن ابن القيم – رحمه الله – أن الناس حينما تتخبطهم الشبهات والشكوك، وتحيط بهم الطوائف المتعددة والمختلفة، البعيدة عن الهدى، ويغيب العالم الرباني الذي يَهدي الناسَ إلى مسالك الأنوار، ولا يجدون من يُنقذهم منها، فإن عقولهم تضطرب بالشبهات، وتتأصل فيها، وخصوصًا الأذكياء.

يقول ابن القيم واصفًا واقعًا شبيهًا بما أتخوفه على شبابنا: “فعظُمت البلية، واشتدت المصيبة، وصار أذكياء العالم زنادقةَ الناس، وأقربهم إلى التدين والخلاص أهل البلادة والبله”.

هذه الكلمات من ابن القيم تُعد أمرًا عظيمًا يستحق التوقف عنده كثيرًا ؛ من أجل رسم منهجية في التعامل مع العقليات الذكية والمتميزة، التي قد تنحرف بسبب الآراء الضالة – إرهابيةً كانت أم إلحادية – في ظل غياب الرموز والأعلام الهادية.

إن تقصير العلماء والدعاة اليوم كبيرٌ في دفع تلك الشبهات عن الشباب، وقد فقد كثير من الشباب ثقتَهم في بعض العلماء؛ لأن بعضهم يمثل بحد ذاته مشكلة في طريقة تعامله مع هؤلاء الشباب، وبعض آخر يمثل مشكلة أخرى أكبر بسبب الآثار المدمرة للصراع الداخلي الذي حصل ويحصل بينهم.

إن حاجة الناس في عصرنا الحاضر للعلماء وطلبة العلم، و المعالجة الناجعة لتلك المواضيع المتصلة بتلك الإشكالات الجديدة – حاجةٌ ملحة وضرورية، وهي معالجة يجب أن تتسم بالحكمة، واتباع النص، وموافقة العقل السليم، وإشباع رغبة النفس باليقين والاطمئنان.

ومما نحمد الله عليه، أن دِيننا متينٌ، وأنه لا تعارض بينه وبين العقل أو العلم السليمين، بل ثبت أن ما يأتيان به إنما هو في حكم التابع للدين، الجاري مجراه؛ وإنما الخلل ينبع من أفكارٍ وافدةٍ نشأتْ في بيئة يشيع فيها الإلحاد، فتغلغلت في عقول هشة، فوجب على العلماء وحراس العقيدة أن يبينوه للناس.

قال ابن تيمية: “ما عُلم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبتة؛ بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط. وقد تأملتُ ذلك في عامة ما تَنازع الناسُ فيه، فوجدت ما خالف النصوصَ الصحيحة الصريحة شبهاتٍ فاسدةً يُعلَم بالعقل بطلانها؛ بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع”.
وقال: “والقول كلما كان أفسد في الشرع، كان أفسد في العقل، فإن الحق لا يتناقض”.

يأيها العلماء الكرام، إن القنوات الفضائية المخالفة، والمواقع المعادية عقديًّا تشن حربًا لا هوادة فيها على الدين، وتواصل بثها للشبهات حول آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، وحول التفاسير، وتنشر ما علق بالتراث من الغث والضعيف، والموضوع والخرافي، زاعمةً أن هذا هو ديننا، وموردةً الشبهاتِ بوسائل حديثة، وتقنيات خطيرة.

والشباب كما هو معلوم، وهم الأكثرية الغالبة في مجتمعنا اليوم، وهم في الوقت نفسه الشريحة التي تدمن مطالعة الإنترنت (تشير الدراسات أن 90 % من متصفحي الإنترنت من الشباب) ومشاهدة القنوات – صاروا بهذا ضحية للشبهات السياسية والدينية. ولاشك أن اهتزاز هذين الأمرين في الشريحة الشبابية، يعني تغيرات جذرية في الخارطة الفكرية بشقيها السياسي والديني لا قدر الله.

هذا هو الواقع، وهذه هي ضريبة التقنية، التي لا يمكن مواجهتها بالمنع، أو سياسة التكتم، أو وضع الرأس في التراب. لا بد من مواجهة الفكر بمثله؛ لمقاومته وصده، ولا بد من الاستفادة من التقنية؛ لكبح شر الجانب السلبي فيها أو تخفيفه.

إن سياسة التكتم أو المنع أو الحجب قلَّت فاعليتُها، وضعفت جدواها، وعُزلة العلماء وصدودهم لم يعد أمرًا مقبولاً، وتنازعهم فيما بينهم أصبح اليوم أكثر قبحًا ودمامة. لقد أخذ الله على العلماء العهد والميثاق بالبيان والتوضيح للناس، توضيح أمر الدين الصحيح، والذب عنه وحراسته، ولا بد لهم من مواكبة الأحداث ومتابعة المستحدثات من الشبهات والرد عليها.

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، حينما قام أحد الحائرين – من أمثال بعض شبابنا – بإرسال مجموعة من الأبيات الشعرية، يشكك بها في القدر، إلى مجلس شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها قوله:
إِذَا مَا قَضَى رَبِّي بِكُفْرِي بِزَعْمِكُمْ وَلَمْ يَرْضَهُ مِنِّي فَمَا وَجْهُ حِيلَتِي
دَعَانِي وَسَدَّ البَابَ عَنِّي فَهَلْ إِلَى دُخُولِي سَبِيلٌ بَيِّنُوا لِي قَضِيَّتِي
قَضَى بِضَلاَلِي ثُمَّ قَالَ ارْضَ بِالقَضَا فَمَا أَنَا رَاضٍ بِالَّذِي فِيهِ شِقْوَتِي
فَهَلْ لِي رِضَا مَا لَيْسَ يَرْضَاهُ سَيِّدِي فَقَدْ حِرْتُ دُلُّونِي عَلَى كَشْفِ حَيْرَتِي

فما كان من شيخ الإسلام إلا أن نظم في ذلك المجلس قصيدةً يرد فيها بإحكامٍ على قصيدته، وهي قصيدة طويلة فصَّل فيها الشيخ الردَّ، وأبان الأمر، ومنها:
سُؤَالُكَ يَا هَذَا سُؤَالُ مُعَانِدٍ مُخَاصِمِ رَبِّ العَرْشِ بَارِي البَرِيَّةِ
وَهَذَا سُؤَالٌ خَاصَمَ المَلأَ العُلاَ قَدِيمًا بِهِ إبْلِيسُ أَصْلُ البَلِيَّةِ
وَمَنْ يَكُ خَصْمًا لِلْمُهَيْمِنِ يَرْجِعَنْ عَلَى أُمِّ رَأْسٍ هَاوِيًا فِي الحَفِيرَةِ
وَأَصْلُ ضَلاَلِ الخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ هُوَ الخَوْضُ فِي فِعْلِ الإِلَهِ بِعِلَّةِ
فَقَوْلُكَ لِمَ قَدْ شَاءَ مِثْلُ سُؤَالِ مَنْ يَقُولُ فَلِمَ قَدْ كَانَ فِي الأَزَلِيَّةِ
وَذَاكَ سُؤَالٌ يُبْطِلُ الْعَقْلُ وَجْهَهُ وَتَحْرِيمُهُ قَدْ جَاءَ فِي كُلِّ شِرْعَةِ

وبغض النظر عن فاعلية الجواب من عدمه، إلا أن موجب الإيراد لهذا المثال هو تبيان سرعة استجابة العالم الرباني لمقتضيات الحال، أفلا يجب علينا أن نتحلى بمثل تلك المبادرة السريعة، والاستجابة الفورية للمستجدات الحديثة، كما كان يتحلى بها العلماء الكبار؛ أمثال ابن تيمية وغيره؟

ثانيًا: دور الدولة في حراسة العقيدة:
دور الدولة مهم جدًّا في صيانة الفكر، وحراسة العقيدة، ورعاية الملة، ومراقبة الأفكار الوافدة، وأي دولة مهما كانت – ومنها الدول الغربية المتقدمة – فإنها تقوم على أسسٍ فكرية وعقائدية، قبل أن تقوم على أسسٍ سياسية، والفكر والعقيدة هي البنية التحتية، والقواعد الأساسية للاستقرار والثبات، ولا تخلو دولة من قيمٍ فكريةٍ ترعاها وتحرسها، وتُقاس قوتها بقوة تلك الأرضية الفكرية.

ومتى ما اختُرق النطاق الفكري لأي دولة، أو زُعزع أمنُها الفكري، أو فكِّكت منظوماتها القيمية، فإنها تفقد (قوتها الناعمة)، التي هي في الحقيقة مبدأ تماسكها وترابطها.
وضع وزير الدفاع الأمريكي “رامسفيلد” قواعدَ مهمةً في السياسة والقوة، ومن أهم تلك القواعد قوله: “إن الضعف يحرض عليك الآخرين”.

وإن أخطر أنواع الضعف هو الضعف العقدي والفكري، والذي سوف يُحرض جميع أشكال وأنواع الأفكار الأخرى المعادية لك، لاختراق نطاقك الفكري ومنظومتك الأمنية، لتفقد المنظومة تماسكها وجوهريتها، وجاذبيتها وقوتها.

إن الأحداث الإرهابية التي حدثت في السعودية سُبِقت باختراقٍ فكريٍ خارجي وافد (ليس المجال لإيراد الأدلة والوقائع حوله)، وسهل تلك المهمةَ وجودُ التقنيات الحديثة، وتم تجنيد مئات الشباب في هذا المسلك الإرهابي، عن طريق إقناعهم بواسطة الفكر أو (القوة الناعمة للتكفيريين)، لقد أثاروا القتل والدمار أينما حلُّوا، وكانت بدايتهم مجرد فكرة!

وإن المواجهة الفكرية اليوم مواجهة الأفكار الإلحادية، التي لا تقل خطرًا عن مواجهة الإرهاب والأفكار التي تقف خلفه؛ لأن هذه المواجهة تُهدد ديننا وأمننا الفكري ووطننا؛ لأنها في حقيقتها انقلاب فكري له تبعاته المتشعبة سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا… إلخ.

لقد ذكر “جوزيف ناي” – مدير مجلس المخابرات الوطني الأمريكي، ومؤلف كتاب “القوة الناعمة” – أن جدار برلين كان قد تم اختراقه بالتلفاز والأفلام السينمائية، قبل زمن طويل من سقوطه في عام 1989م؛ لأن مطارق الثقافة اخترقته قبل أن يسقط!

وهذه حقيقة واقعية، يشهد لها أنني شخصيًّا قد قُدرَ لي أن أكون حاضرًا في إحدى المحاضرات خارج بلدي، وكان المحاضِر يتحدث عن التأثير الفكري للقيم والأخلاق، ومما قاله: “إننا الآن نُركز على السعودية لاختراق مجالها الفكري، ولم يَعد الأمر صعبًا؛ لأن التقنية تخدمنا في ذلك، ويمكننا أن نصل لعقول الشباب هناك بسهولة”!

ولعل المراقب للمشهد السعودي المحلي يلحظ المتابعة الدقيقة، والاهتمام المتزايد للغرب بالخارطة الفكرية السعودية، وإجراءهم العديد من استطلاعات الرأي العام حول مختلف القضايا الفكرية في المملكة.

إن واجب الدولة تجاه هذا الأمر مُهم جدًّا، فإن ((الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن))، وإن الحصانة الفكرية، بتمحيص الأفكار، وصيانةِ عقول الشباب، وفتحِ الحوار معهم – واجبٌ شرعي وعقلي، يُحتمه الشرع والواقع، وإن ترك تلك الأفكار الدخيلة والعقائد الفاسدة تسرح وتمرح في عقول الشباب، لَمهدِّدٌ بضمور القوة الناعمة التي تمتلكها الدولة، والتي تمثل شرعيتها الدينية والسياسية، فإذا فسد الشباب فمن للوطن؟!

إن من أهم واجبات ولي الأمر – وفقه الله – محاسبةَ القنوات الفضائية التي تبث ما يُفسد العقائدَ، ويفكك المنظومة الفكرية، ويُخل بالأمن الفكري، أو على الأقل منعها من ممارسة نشاطها داخل الحدود وباسم الوطن والوطنية، وكذلك محاسبة الصحف والمجلات والمطبوعات والمواقع التي تنشر الإلحاد، أو تحارب الدين، أو تستخف بقيم مجتمع أرضِ الرسالةِ والوحي ودولة التوحيد؛ بل لا بدَّ أن يكون للصحافة الوطنية دورها القوي والحاضر في صد تلك الانحرافات الفكرية الوافدة، لا أن تكون قناةً للترويج لها، وكم أتمنى أن تضع الدول الإسلامية الأنظمة واللوائح الصارمة لمحاسبة المحرضين على العقيدة والدين، كما هو الحال بالنسبة للأمور السياسية.

لقد نشر موقع (bbc) على الشبكة قبل أربع سنوات دراسة حول “تأثير الإنترنت على المجتمع”، ومما جاء في هذه الدراسة؛ ما يلي: “تعتزم جامعة أكسفورد البريطانية افتتاح معهد مكرس كليًّا لدراسة تأثير الإنترنت على المجتمع، ومن المؤمل أن تكون بريطانيا بفضل المعهد في مقدمة الدول التي تبحث في تأثيرات الإنترنت على المجتمع ككل. وتقول جامعة أكسفورد: إن المعهد سيكون أول مركز أبحاث متعدد التخصصات والتوجهات في العالم، وأنه سيجري أبحاثًا، ويقدم توصيات واستشارات حول السياسات الحكومية في المجالات التي يتوصل فيها إلى نتائج يمكن الاعتماد عليها”.

إنه مما يؤسف له أن تهتم بعض الدول بمثل هذا الأمر، وترصد له الأموال الطائلة، ويغفل بعضنا عنه – لعلمي بوجود بعض الدراسات المحدودة التي لم يتم تفعيل نتائجها – فبلدنا اليوم يتعرض لهجمة شرسة من قِبل جهات مشبوهة، عَبر وسائل الاتصال الحديثة – وخصوصًا الإنترنت – وهذه الهجمة هي محاولة للسيطرة على المنظومات الفكرية، وعلى عقول وقلوب الناس، وإن الهزيمة السياسية والاقتصادية والثقافية – بل والعسكرية – يسبقها عادةً هزيمةٌ فكرية في العقول.

لقد حكى قديمًا “الصلاح الصفدي” أن الخليفة العباسي المأمون لما هادن ملك قبرص، كتب يطلب منه خزانة كتب اليونان الفلسفية، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك القبرصي خواصَّه من ذوي الرأي، واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار عليه بعدم تجهيزها إليه، إلا أن أحد رجاله الحذاق خالفهم جميعًا، وقال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها، وأوقعت بين علمائها. فتأمل كيف كان أثر ذلك على واقع الخريطة الفكرية في ذلك الزمان!
إن هذه القصة تدل أن الحرب الفكرية قديمة، وليست بالجديدة، وإن إفساد الوطن يبدأ بإفساد الشباب فكريًّا.

قال العلامة ابن خلدون: “إن كتب أولئك المتقدمين – الفلسفة – لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي، تصفَّحها كثير من أهل الملة، وأخذ من مذهبهم مَن أضله الله من منـتحلي العلوم”، وقال: “وهذه العلوم عارضة في العمران، كثيرة في المدن، وضررها في الدين كثير، فوجب أن يصدع بشأنها، ويكشف عن المعتقد الحق فيها”.

وهذه المخاطر القديمة ليست حكرًا على الماضي البعيد؛ بل هي مخاطر متجددة وحديثة، والدول العظمى تسلك نفس السياسات القديمة، سياسة فرض القوة الناعمة (الفكر والقيم)، ولم تتغير أهمية الفكر وخطورته، فالفكر يبقى هو القوة الحقيقية لأي أمة، واختراقه من الداخل اختراق للأمة والدولة.

يذكر “جوزيف ناي” صاحب كتاب “القوة الناعمة”: “إن قوتنا الناعمة قُيض لها أن تساعد على تحويل الكتلة السوفييتية من الداخل”.
ويشرح هذا الكلام باستفاضة، فيقول: “برغم أن الاتحاد السوفييتي قد فرض قيودًا ورقابة على الأفلام الغربية، فإن الأفلام التي نفذت عبر مصفاة القيود والرقابة، كانت مع ذلك قادرة على أن تُحدِث آثارًا سياسية مدمرة، وكانت بعض الآثار السياسية مباشرة أحيانًا، ولو غير مقصودة”.
ثم يفسر ويعرف “جوزيف ناي” القوة الناعمة: بأنها الجاذبية التي تنشأ عن قيم وأخلاق وثقافة بلد ما. أي بمعنى آخر أن مدى هذه القوة الناعمة (الفكر) تقاس بمدى جاذبيتها، وإمكانية اختراقها للآخر، وتأثيرها في قيمه وثقافته.

ويؤيده السناتور الأمريكي “تشاك هاغل” بقوله: “تعتمد القيادة الأمريكية على قدرتنا على الإقناع والاجتذاب، إن قوة أمريكا الناعمة؛ أي قوة ثقافتنا وقيمنا وجاذبيتنا، يجب أن تنعكس بوضوح في سياستنا الخارجية ودبلوماسيتنا”، فما بال القارئ إذا اجتمع غزو عسكري معزز بغزو فكري للمنطقة؟!
ويؤكد السناتور الأمريكي “تشاك هاغل” على أهمية “القوة الناعمة”، فيقول: “لا يمكن تبديد القوة الناعمة، و إلا فقدْ نفقدُ الجيل القادم”.

نعم، هذا صحيح، لا يمكن لأي دولة حكيمة وعاقلة أن تبدد وتفرط في جاذبيتها العقدية، وقوتها الفكرية، إلا إذا أرادت أن تفقد جيلها القادم.

وإن حال الواقع – الموصوف بالانفتاح الثقافي غير المحدود – دون قدرة ولاة الأمر – وفقهم الله – على الضبط التام لتلك القنوات والمواقع الآثمة، التي تنشر الإلحاد، وتزين الكفر، وتثير الشبهات العقائدية والسياسية، فحينها لا أقل من وجود القنوات المتخصصة التي تدافع عن العقيدة، وكل ما يدخل ضمنها من سياسي وديني، وتبينها بأسلوب حديث وعصري، وهذا – والله – من أهم الواجبات في هذا العصر على أهل القدرة وصناع القرار، فإنه عصر تلاطمت فيه الفتن، وفُتن الشباب بالشبهات الإلحادية وتبعاتها الدينية والسياسية، وكثرت القنوات المفسدة، ولم يوجد حتى الآن البديل المتخصص القادر بتقنية ومهنية على حماية الهوية الثقافية، ومواكبة روح العصر، وإذا وجد – وهو ممكن – فهل يتفضل أصحاب القرار بتبنِّيه وتفعيله؟

المعركة اليوم هي معركة عقول وأفكار:
نحن في عصر تقدمت فيه التقنية بشكل هائل، وأصبحت الأفكار تشكل خطورة فائقة في التأثير والانتقال، حتى قيل: إن الحرب الحقيقية في هذا العصر هي حرب معلوماتية فكرية بالدرجة الأولى، فبواسطة الأفكار والمعلومات يمكن تدمير أقوى النظم السياسية والاجتماعية والأخلاقية، وتفكيك أشد القيم تماسكًا.

وتكمن خطورة حرب الأفكار في أنها تهدف إلى إخضاع الإنسان من خلال السيطرة على تفكيره، والوصول به إلى النتائج التي يريدها الخصم، دون الحاجة إلى استخدام القوة، وإنما من خلال بناء إدراكات وإيحاءات لديه توصله إلى مرحلة التسليم لإرادة الآخر، والقبول بها وكأنها الحل الأمثل.

ومن خلال التجربة نعلم يقينًا أن الفكر لا يواجه إلا بالفكر، وحرب المعلومات لا تواجه إلا بالمثل، وعلى نفس المستوى، وبنفس الأساليب والأنساق.

إن من يأكل الطعام الفاسد أو المسمَّم فإنه سوف يموت أو يتسمم بما أكل، وإذا كان هذا هو شأن الطعام الفاسد المسمم، فإن شأن الأفكار المسممة والفاسدة على العقول أعظم وأخطر.

والأفكار – مهما اعتقدنا أنها بسيطة أو ساذجة، وأننا في بلد التوحيد – إذا تُركَت دون نقد أو مواجهة، قد تكتسب قوة هائلة، يصعب بعد ذلك مواجهتها.

لقد أدرك الغرب قَبلنا خطورةَ وتأثير الأفكار، فسُلطانُها غير محدود بمكان أو زمان أو أشخاص، ولذلك قال المفكر الألماني “هاينه” محذرًا من مغبة الاستخفاف بسيادة الأفكار وتأثيرها: “إن الأفكار الفلسفية التي يطرحها أستاذ من مكتبه الهادئ قادرة على إبادة حضارة بكاملها”!

لقد كتب “روبرت رايلي” – مدير إذاعة صوت أمريكا، والذي ظهر لأول مرة في صحيفة “واشنطن تايمز” بتاريخ 28/1 / 2002م – مقالاً بعنوان: “كسب حرب الأفكار” ومما جاء في ذلك المقال، قولُه: “الطبيعة الحقيقية للصراع، صراع المشروعية الفكريّة في قلوب وعقول الناس، وليس القوة العسكرية. إن الحروب تخاض ويتم فيها تحقيق النصر أو الهزيمة في عقول الناس، قبل وقت طويل من بلوغها نهايتها في ميدان قتال بعيد”.

وهذه حقيقة يثبتها الواقع، فكم من هزيمة عسكرية كانت نتيجة حتمية للهزيمة الفكرية والنفسية – الاتحاد السوفيَّتي مثلاً – وذلك من خلال ما يبثه الخصم من أفكارٍ ومعلومات مضللة، ينشط بها ضمن الصفوف الداخلية لأي مجتمع؛ من أجل تفكيكه، وتحطيمه معنويًّا ونفسيًّا.

إن الغرب مع الانفتاح الذي يعيشه، إلا أن كبار المفكرين فيه يُوصون بإلحاح على مراقبة الأفكار الوافدة، ونقدها وتمحيصها، قبل أن تتمكن وتُشكل خطرًا على المجتمع، ومن ذلك تفتيشهم وتقاريرهم التي يرفعونها حول الكتب المتواجدة على رفوف المكتبات في المراكز الإسلامية في الغرب، وشكواهم حول مناهج المدارس الإسلامية هناك؛ بل وقرارهم الأخير – والصادر منذ أيام في أمريكا – بحق تفتيش رجال الأمن والجمارك للحواسب الآلية الشخصية للقادمين إليها، ومصادرة ما بداخلها بعد أن عجزوا عن معرفة ما بداخل عقول هؤلاء الوافدين الزائرين، وهذا يطرح تساؤلاً مشروعًا عن مدى عودة القوى المتقدمة لممارسة المكارثية مرة أخرى، باسم حرب الأفكار، وحماية القيم والمبادئ الفكرية!!

يقول الباحث الغربي “إيزايا برلين” محذرًا من ترك الأفكار المخالفة دون تصدٍّ لها: “إن إهمال الأفكار من قِبَل الذين ينبغي أن يعتنوا بها – أي من قِبَل مَن تدربوا على تبني نظرة ناقدة للأفكار عمومًا – قد يؤدي أحيانًا إلى اكتسابها قوة كاسحة، لا يمكن مقاومتها أو كبحها، تفرض على أعداد هائلة من البشر”.

وهذه حقيقة يشهد لها الواقع اليوم، سواء تجاهلنا هذا الأمر، أو كابَرْنا في قبوله، وما الثمار المرة التي نراها على المستوى الأخلاقي والفكري للجيل الحديث إلا خيرُ شاهد على خطورة تلك الأفكار وقوَّتها، مع غفلتنا عن نقدها واحتواء الشباب.

إنني أعتقد أننا في هذا العصر معرَّضون لمواجهة المرحلة الثالثة من “طوفان الأفكار الوافدة”، حيث كان “الطوفان الأول” في بداية عصر الترجمة في العصر العباسي، حينما تُرجمت الكتب اليونانية، فدخلت الفلسفات المختلفة إلى المجتمعات الإسلامية، فأفسدت كثيرًا من العقول بقصفها بوابلٍ من المحدثات والشبهات.

وقد أنتج ذلك الطوفان مدارسَ فلسفيَّةً وكلامية، زعموا أن علومهم براهين صادقة، وأدلة باهرة، وعقليات راسخة، لكن الفلسفة لم تنـتج يقينًا كما زعموا، بل كانت عاملاً رئيسًا في زعزعة العقيدة، وخلخلة اليقين عند الناس، وتفاقمت الجناية على العقيدة بسبب كثيرٍ من مسائلها التي كان عليها مبنى علم الكلام، فتحوَّل الإيمان إلى مسرح للشبهات، ومرتعٍ للوساوس، التي أنتجتها براهين الفلسفة المتكافئة، وأدلتها المتضادة، فعظمت بها المصيبة، وتفاقم بسببها الداء.
وقد شهد أحد أعمدة المدرسة الكلامية والمنطقية، وهو الغزالي – رحمه الله – أن حاصل الفلسفة والكلام ضعيف، حيث قال: “المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جدًّا، مشرف على التزلزل بكل شبهة؛ بل الإيمان الراسخ إيمان العوام”.
وقال الإمام القرطبي – رحمه الله – مبيِّنًا حالَ هؤلاء: “وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك، وببعضهم إلى الإلحاد”.
وقال ابن تيمية: “إن جمهورهم – أي الفلاسفة وأهل الكلام – أوقع الناسَ في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قلَّ أن سمعتُ أو رأيتُ مُعرضًا عن الكتاب والسُّنَّة، مُقبلاً على مقالاتهم، إلا وقد تَزَنْدَقَ، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده”.

وقد عاش هذا الجيل والذي قبله آثار “الطوفان الأول”، وأكلوا من ثماره المرة، وقد أحسنوا الظن به، حتى إن الغزالي زعم أن المنطق هو :”لباب النظر”، و”محك النظر”، و”معيار العلم”، و”القسطاس المستقيم”، و أنَّ هذا العلم آلة تعصم الذهن من الخلل في الفكر، وذهبَ إلى أنَّ من لم يتعلمه فلا ثقة في علمه.
لكنه بعد خوضه لغمار ذلك كله، إذا به يسجل في كتابه “المنقذ من الضلال” تجرِبتَه المريرة والحزينة، ويحكي قصته المثيرة، ومحنـته العجيبة، بعد ردحٍ من الزمن مع هذه العلوم، مع أنه العالم النحرير، والفيلسوف الخطير!

يقول أبو حامد الغزالي: “لم أزل في عنفوان شبابي وريعان عمري، منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجَّة هذا البحر العميق، أتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، لا أميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، فلما خطرت لي هذه الخواطر، انقدحت في النفس، فحاولت لذلك علاجًا فلم يتيسر، فأعضل هذا الداء، ودام قريبًا من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريبًا من ستة أشهر، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حدَّ الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني، ثم لما أحسستُ بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله – تعالى – التجاء المضطر الذي لا حيلة له”.

وقد تتابع أعلام هذه المدرسة على الاعتراف بجناية تلك الفلسفات الوافدة على دينهم وعقولهم؛ فقد قال الجويني في مرض موته: “اشهدوا عليَّ أني قد رجعت عن كل مقالة قلتُها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وإني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور”.
وقال الشهرستاني بعد اكتشافه المتأخر بوار علم المنطق، وضعف الفلسفة وعلم الكلام في زراعة اليقين: “عليكم بدين العجائز؛ فهو من أسنى الجوائز”.
وقال الفخر الرازي: “اعلموا أني كنت رجلاً محبًّا للعلم، فكنت أكتب في كل شيء؛ لأقف على كميته وكيفيته، سواءً كان حقًّا أو باطلاً، ولقد اختبرتُ الطرقَ الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتُها في القرآن، وأقول: ديني متابعة الرسول – صلى الله عليه وسلم، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما”.

هؤلاء كانوا ضحايا “الطوفان الأول” مع أنهم من أكابر العلماء، وأفاضل المتكلمين، فكيف بالشباب الأغرار الطريين، الذين يواجهون أخطر طوفانٍ عقائدي وفكري في هذا العصر؟!

ثم جاء بعده “الطوفان الثاني”، وقد كانت الأمة في أضعف حالاتها، فغزاها المستعمر عسكريًّا وثقافيًّا، وكان الطوفان عبارة عن خليطٍ من الأفكار والفلسفات الإلحادية، والشيوعية، والعلمانية، والوجودية، والقومية، فأنتج هذا الطوفان ضحايا لا حصر لهم، مع تفاوت درجات تغيرهم، منهم: رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وهدى الشعراوي، وحسين مروة، وعبدالله القصيمي، والشيوعيون والماركسيون العرب، والقوميون، والبعثيون، ونحوهم.

لقد شغلوا الأمةَ عقودًا بهذه الأفكار والفلسفات الوافدة، وكان لها ولهم ضحايا من الشباب، فانتشرت الفلسفات الوجودية والإلحادية، والأطروحات الثورية، وانتشرت الثورات اليسارية في أرجاء الوطن العربي، لقد بدأت الأمور بفكرة، وانتهت بثورات عديدة!

يقول العالم المعروف “مصطفى محمود” في كتابه الشهير “رحلتي من الشك إلى الإيمان”: “جئتُ في زمن تعقَّد فيه كل شيء، وضعف صوت الفطرة، حتى صار همسًا، وارتفع صوت العقل، حتى صار لجاجة وغرورًا واعتدادًا، وكانت الصيحة التي غمرت العالم هي: العلم، العلم ولا شيء غير العلم، وحول أبطال الغرب وعبقرياته كنا ننسج أحلامنا ومُثلنا العليا، وكان الشرق العربي هو التخلف والضعف، والتخاذل والانهيار، وكان طبيعيًّا أن نتصور أن كل ما يأتينا من الغرب هو النور والحق، وهو السبيل إلى القوة والخلاص”.

ثم لما اندحرت الدول الاستعمارية، وسقطت دولة الشيوعية، وانهارت أكثر تلك الأفكار الوافدة، وخَبَتِ الثوراتُ البائسة، وأذن الله للصحوة الدينية المباركة، جُدد للأمة أمر هذا الدين، بعد اندراس كثيرٍ من معالمه، وأصبح الانتماء للقومية أو البعثية أو الشيوعية مسبةً وعارًا وشنارًا.

ثم جاء بعده “الطوفان الثالث”، حيث شاء الله أن تتنازع الصحوة، ويتعارك العلماء، ويتشاتم الدعاة، وتغيب القدوات – بل أصبح البعض قدوة سيئة – مع محاصرة عالمية للدعوة والدعاة؛ بسبب ظهور الجماعات المتطرفة، التي أساءت للإسلام، وأضرت بالمجتمع، فتسلطت الشبهات على الناس في زمن التقنية الحديثة، وانشغال الدعاة بصراعاتهم الخاصة، وسبابهم المشين، ثم تزامن ذلك مع ذلة عامة أحاطت بالأمة، وضعف وتخلف على الأصعدة كافة، فأعقب ذلك قلقٌ عام، وتغيرٌ واضح في أفكار وسلوك الجيل الجديد، الذي تمرد على كل شيء تقليدي، هكذا يسمونه.

وقد كان للقنوات الفضائية ومنتديات الإنترنت الدور الرئيس في إفساد عقول الشباب، ودعوتهم للتمرد على الدين وأهله، وقد وجدوا آذانًا مصغية من هؤلاء المراهقين، في وقتٍ صد فيه كثير من العلماء وانشغلوا عن واجباتهم، وزاد الطينَ بِلة عدمُ وجود المحاسب والرقيب!

إن خطورة هذه المرحلة تتمثل في سرعة انتقال الفكرة، وسرعة انتشارها وتأثيرها، إن خطورة الفكرة تتمثل في أنها هي التي تصنع الفعل!

إن الجيل الجديد يئن تحت وطأة الغزو الفكري الجديد، ويُطحن الآن تحت طاحونة “حرب الأفكار”، وإن جماعات عديدة مشبوهة قد نشطت في الارتباط بشبابنا عبر عمليات اتصال واسعة، عمليات يتفاعل بمقتضاها متلقي الرسالة الفكرية، بمقتضى ما يريده المرسِل، وفي هذا التفاعل يتم نقل الأفكار والمعلومات الموجهة بقصد ممارسة أكبر قدر من التأثير على المُرسَل إليه؛ من أجل تغيير أفكاره.

ومن خلال تجربتي الشخصية وجدت أن كثيرًا من الأسماء الوهمية والمستعارة، التي تكتب في منتديات وساحات الحوار ضد ديننا أو بلادنا، إنما هي جهات تابعة لجهات ومؤسسات استخباراتية، ومنظمات وجماعات معروفة، وقد كان لها – وللأسف – قدرة هائلة في تغيير أفكار كثير من القراء، وتسريب معلومات موجهة من أجل أهداف خبيثة تمس الدين والوطن.

ولقد وجدتُ نشاطًا محمومًا من مؤسسات دينية دولية – مخالفة – تتظاهر بالإلحاد، وتنشر الكتب الإلحادية وتبثها في المنتديات باسم مسلمين، تلبيسًا على الشباب، ودعوة لهم إلى التمرد والعصيان، ومن الأمثلة على ذلك:
مؤلف كتاب “قسٌّ ونبيٌّ” المسمى “أبو موسى الحريري”، ليس إلا راهبًا لبنانيًّا من الرهبنة اللبنانية البلدية المارونيَّة، ويقيم في منطقة كسروان، وهذا ما صرح به صاحبه “نبيل فياض” وما خفي أعظم.

وكذلك تسريب مؤلفات تحارب الإسلام، تحمل أسماء غربية؛ لإعطائها صبغة العلمية والموضوعية؛ ككتاب “قراءة سريانية – آرامية للقرآن”، الذي زعم أن اسمه “كرستوف لكسنبرغ”، وهو في الحقيقة ليس إلا كاتبًا سوريًّا، مجهول الدين والمذهب، من شمال شرق سوريا، يقيم في ألمانيا.

لقد سجل التاريخ الإسلامي أسماء رجال عظماء، واجهوا بالعلم والإيمان الطوفان الأول والطوفان الثاني، وسخَّرهم الله للوقوف في وجه تلك الفتن والتصدي لها، وحماية وحراسة العقول من الشبهات والشكوك.

ونحن في أمسِّ الحاجة في هذا العصر إلى رجال عظماء يواجهون بالعلم والإيمان والفكر السليم الطوفانَ الثالث، الذي بدأت تتشكل سحابته السوداء في الأفق، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة جدًّا لا قدر الله؛ لأن الطوفان الثالث يختلف كثيرًا عن السابقَيْنِ، كمًّا ونوعًا وتأثيرًا، ويختلف في أنه يُركز تركيزًا خطيرًا على قلب ومنبع ومصدر الإسلام، بلاد الحرمين الشريفين وأهلها، نسأل الله أن يحميها وجميع بلاد المسلمين.

ومع تقديري لجهود الدولة المبذولة – حفظها الله – في مواجهتها، التي لا هوادة فيها، لمواجهة أفكار الفئة الضالة، إلا أنني أحسب أن الغالبية الصامتة من أفراد المجتمع تأمل وترغب في توسيع هذه المواجهة، لتشمل الطوفان القادم، وأزعم أن الوقت قد آن لإدراج هذه المواجهة ضمن الخطط الإستراتيجية لأصحاب القرار؛ حتى لا يأتي يوم نعض فيه على أصابع الندم، ونتأمل عندئذٍ – وبكل أسى – الآيةَ الكريمة: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ} [غافر: 44]، فهل يستجيب القادة، والعلماء والدعاة وأهل الفكر، لحماية عقول شبابهم، وقوتهم الناعمة، وأمنهم الفكري؟

قال “فرانك أنلو” في كتابه “القيادة والتغيير”: “راقب أفكارك جيدًا، فإنها تصبح كلمات، راقب كلماتك فإنها تصبح أفعالاً”، وأقول: ارصدوا الأفكار الوافدة والغريبة، فإنها ستصبح كلمات تتحول إلى أفعال، قد تدمر كيان المجتمع ونظامه السياسي والاجتماعي القائم. اللهم إني قد بلغتُ، اللهم فاشهد

.

.

ليس بإمكاني العمل اطلاقا ولا التفكير في أي شيء .. دخلت في حوار عميق مع أحد الأصدقاء حول قضيـة أراها كارثة قد تحل بنـا لو أنا تركناها بدون التنبيه لها .. أنا من جيل الشباب ولست من العلماء ولا الباحثين في المجـال الشرعي، أنا أبحث في الأحياء الدقيقة و في الأحماض النووية .. لكني مع ذلك حزينة جدا لحال بعض الشباب اليوم و الوضع المؤسف الذي وصلنـا اليه و أود أن أرسل لهم رسالة احترق فؤادي بها .. فأرجو أن يتقبلوها ..

إننا قبل كل شيء وبعد كل شيء مسلمون موحدون و لله الحمد ، قبل كل شيء وبعد كل شيء مؤمنون بأن هذا الكون خلقه رب عظيم أدرك حدوده و آخره وحركاته و سكناته وهو خالقه فكيف يعقل ألا يعرف الخالق شيئا ولو دق عن ما خلق ؟

إنني أكتب بمنتهى الحذر ، أكتب و أنا أحاول أن أبسط كلماتي قدر الإمكان ليفهمها ويعيها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..

إنني أكتب وفي القلب حرقة مما أسمع ومما أرى

أكتب ومستقبلي على المحك ، فسيمتحنني أساتذة فطاحل في علمي بعد اسبوعين ، لكنني رأيت أن أخصص ساعة أو اثنتين لأنقل لكم ألما و حرائق يشتعل بها قلبي و تدور حرارتها في رأسي فما عدت والله أعرف كيف أنجز ولا كيف أعمل ولا كيف ألقي نظرة على ورقة ..

إنه واقع علينا أن نقره .. توجد نسبة من شبابنا وبناتنا ملحدون يا اخواني .. تطرف فكرهم لأقصى ما يمكن و التعليلات المذكورة في المقطع التالي لا تقنعني ولا تكفيني:

الانفتاح المذكور ينبغي أن يكون نعمة علينا لا نقمة، التغرير بصغار السن وبالشباب بدأ من هنا ، من داخلنا

بدأ حين قيل لهم أنهم على ثغر وأنهم حماة الإسلام و حماة العقيدة بدون أن يتم تعليمهم ما يكفي من العلم الشرعي أو حتى أن يتم تعليمهم متى عليهم أن يتوقفوا عن الحوار أو المناقشة أو الاطلاع .. بدأ حين تم تضخيم ذواتهم وإيهامهم أنهم منقذو البشرية جمعاء من الضلال بدون أن يتم تعليمهم أن أنفسهم أولى بالإنقاذ .. ! بدأ حين تم تسفيه عقولهم و فكرهم و فرض الوصاية عليهم وانتزاع الثقة من نفوسهم بمنعهم من هذا وذاك حتى انتجت هذه التربية بعض الخلطات العجيبة  من روح ضخمة لا يمكنها أن تخلص نفسها لكنها تسعى لتخليص الآخرين ! أو روح لا يمكنها تحريك شعرة لكنها تريد التأثير في البشرية ! أو عقل لا يقتنع بفرض السلطة فيتمرد بسبب التضخيم على من لا يقدر عليه !

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث استدراج الشيطان للإنسان: ” قل : آمنت بالله وبرسوله” و توقف عن التفكير بذلك عن أي مسألة تأخذ بك الى أبعد من ذلك .. توجد نقاط معينة ينبغي على العاقل منا أن يتوقف عندها وألا يفكر فيها ولا يحاور فيها .. ومهما كانت حجج اولئك الملحدين ، مهما كانت عقلانيتهم ، كيف ينسى شبابنا الذي وقع في الإلحاد والذي أنكر وجود الخالق العظيم أن اولئك الملحدون أنفسهم هم بشر مثله ؟

يحتمل منهم الخطأ ، يحتمل منهم الخبث ، لماذا يثق في فلسفة المتفلسفين و كلام المتكلمين وينسى أنهم قد يخطئون وقد يضلون .. ينسى أنهم لا يعلمون متى يقفون وأين يقفون

لا يؤلمني أكثر من أن هؤلاء الشباب أنعم الله عليهم بالإسلام و بالقرآن ثم راجعوا أنفسهم وفتحوا الأبواب للحرائق كي تغتال عقولهم وقلوبهم .. قيل أن أحد الشباب كان يأكل الثلج المالح لشدة ما يرى من شكوك .. لا يريد أن يضل ولا يريد أن ينكر الله ولكن ما يسمع أقوى مما يحتمله عقله .. لماذا يسمعه إذن؟ لماذا يفتح الباب على نفسه؟

في قواعد السلامة قاعدة صغيرة : إن استيقظت من نومك و علمت أن حريقا في البيت خلف باب غرفتك فلا تفتح الباب .. ابقى منخفضا في الداخل حتى تحصل على مساعدة

وإني لا أستطيع تشبيه ما يتعرض له شبابنا من افكار إلحادية إلا بأنهم فتحوا على أنفسهم أبوابا من خلفها تضطرم الحرائق المهلكة ..

إن الحياة بأكملها سياسة .. سياسة أن تقبل أناسا أو أفكارا أو ترفضهم .. لتصل الى هدف واحد رئيسي مهم .. أن تموت ولسانك ينطق بالشهادة

..

يوميا أعيش مع مجموعة علماء ملحدين .. لكنهم مع ذلك يؤمنون بفلسفات وجودية تحكم تعاملاتهم ، يرضون ضمائرهم الإنسانية المجردة فحسب و بذلك يتعايشون مع الناس يكرمونهم و يحترمونهم

قال لي أحدهم : إذا كان هناك رب و كان سيحاسبني على إلحادي بأن يصليني الجحيم فليفعل ، فأنا سأتحمل نتيجة افعالي .. فقلت في نفسي : اذهب الى الجحيم إذن .. ! أنهيت النقاش بأن أبديت انزعاجي من جرأته في الحديث وأن عليه أن يحترم معتقدي وربي والا يسخر منهما بهذه الطريقة .. ولم أسمح له بعدها أن يعيد النقاش في هذه النقطة وأنوي ألا افعل ابدا .. فلست مسؤولة عنه ولا عن فكره ولا عن ضلالاته .. هو الوحيد الذي سيصلى النار وقد عملت ما علي حين قلت له أنني أعتقد انه على خطأ وعليه أن يراجع روحه.. هل تعلمون أن هذا الرجل يعتقد أنه لاروح لديه وأنه عبارة عن مركبات كيميائية تتفاعل وحين وفاته تنقطع بطاريته فحسب؟ أي ضلال لدى هؤلاء العلماء الذين جاءوا لنا بفكرة الإلحاد ؟

في القرآن مايثبت قطعا أن الإلحاد حادث عرضي شاذ في البشرية .. فالله عز وجل علمنا كيف نتعامل مع المشركين .. لأن من طبع الإنسان وفطرته أن يتخذ له إلها .. أي إله.. ومسألة التبرؤ و التحرر من كل قوة روحية هي ليست انتكاسة في المعتقد فحسب بل هي انتكاسة في النفس البشرية والروح وشذوذ ما بعده شذوذ .. و فيهم قال : “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا”

لا أنوي التبحر في الأفكار الإلحادية ولا البحث عنها لكنني لاحظت أن حجج الملحدين على نوعين : حجج علمية و حجج عقلية .. أما العلمية فهدفها تفسير الانسان ونشأة الكون كدارون ونظريته ونشوءه وارتقاءه و نظرية الانفجار العظيم ولا أعارض نظرية الانفجار العظيم لأن الله مسبب الأسباب فقد تكون نظرية سليمة وفي القرآن ما يلمح لها بقوله ” كانتا رتقا ففتقناهما” .. قد لا تكون طريقة الفتق انفجارا لكن هناك طريقة ما نشأ بها الكون .. وأعارض ما قال دارون لأن لها حججا علمية تفندها و تدحضها تماما .. و أنا هنا أرميها بالعلم الذي جاءت منه و إلا فإني سأرميها بما أقتنع وأؤمن به بالقرآن والسنة وما علي ان لم يفهم دارون وأتباعه

أما الحجج العقلية فهي استنباطات واستنتاجات وضعتها عقول الفلاسفة و الوجوديين .. ولا عيب فيها أكثر من كونها وضع بشر .. و اني أستغرب كيف أصدق انسانا مثلي له عقل كعقلي و نفس كنفسي حين يتحدث بظنه ولا أصدق ظني أنا و يقيني أنا  .  كيف أصدق هذا الشخص حين يتحدث عن الكون ويضع حوله فرضيات ونظريات عقلية وهو أصلا لا يعلم آخره .. ؟ بل سأسأله سؤالا صغيرا .. أن يمسك لي روحه .. لن يستطيع ..

فأنت أيها الانسان الضعيف الذي لا تستطيع أن تمسك لي روحك ، الذي لا تعرف أصلا ماهية روحك .. كيف تتكبر على خالقك الذي سواك؟ ألأنك لم تره ؟! فهل رأيت حرارة الشمس ؟ هل رأيت عقلك الذي تتحدث به؟ كيف تكتسب الكلمات وكيف تعيد انتاجها ؟ هل رأيت الزمان ؟ أريدك أن تمسك لي ساعة من وقتك .. ! بل ثانية بل جزءا منها ..؟ ان نفيت الزمان فأنت تنفي نفسك لأنك ولدت في زمان وكبرت في زمان و تشيخ في زمان و تموت في زمان .. فهات لي عمرك وهات لي الزمان ..

هل تقول أن الزمان شروق الشمس وحركتها وغروبها ؟ لماذا تقول أن اليوم يوم جديد؟ قد يكون هو ذاته اليوم الذي كان أمس ! انها نفس الشمس تشرق على نفس الأرض ! قد يكون عصر اليوم هو عصر غد وبعد الغد ! هل الزمان هو سير الأحداث؟ هو أمر معنوي؟ أنت تؤمن اذن بوجود الأمور المعنوية الغير محسوسة .. لقد ناقضت نفسك بنفسك حين كفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا .. بالأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء ومن هو فوق كل شيء ودون كل شيء .. هو محيطك هو أين توجد هو متى توجد هو من سماؤك وأرضك مطويات بيمينه .. ونهارك وليلك بأمره ولو شاء قبضهما .. لكن لم أذكر ذلك وأنت لاتفهم الا كلام البشر مثلك  وقد جاءك كلام رب الأرباب فرفضته وفضلت الشكوك والظنون .. إنك تنتكس على فطرتك و أنت حكمت على نفسك لوحدك والضالين من الناس ولم تحكم حتى على أبناءك ..

درسني أستاذ في معهد اللغة .. كان ملحدا .. سألناه ماذا سيفعل بابنته التي يحبها كثيرا .. فقال سأتركها تختار ما تريد .. و حين افترقنا كانت تقرأ عن الاسلام وتراه الأقرب الى روحها .. فهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا تبديل لخلق الله .. لا تبديل لخلق الله .. لا تبديل لخلق الله ..

أيها الشباب والشابات المسلمون .. لقد أنعم الله علينا بنعمة عظيمة أن جعلنا مسلمين .. موحدين مقرين بوجوده سبحانه .. أن ولدنا مسلمين .. فلم نقحم أنفسنا بمهاترات و ادعاءات وظنون بشر مثلنا ؟ لم نشكك أنفسنا بأنفسنا و نستدرج أنفسنا بالأسئلة ولدينا حد معلوم ينبغي أن نقف عنده لنحافظ على إسلامنا؟ وعقيدتنا ؟

قيل أن التشدد الديني هو سبب للإلحاد .. سأقول لك لا تطع ِ المتشددين قل لهم لا .. تمرد عليهم لكن لا تتمرد على خالقك ! انه هو الذي سواك وسواهم وجعل لك الدين مرشدا أعلى شوهه بعض الناس لأنهم جمدوا عقولهم ونقلوا ولم يعقلوا ..لم ترفض كل شيء وكل الكون بسبب أشخاص .. أي يأس و محدودية نزلت بك يا انسان ؟ .. لم تسمح لبشر مثلك أن يخرجوك من فطرتك .. سواءا بتشددهم أو شذوذ فكرهم ؟

قف عند حدك يا مسلم .. يا انسان .. قف عند حدك كفاك علوا وتكبرا .. لم تؤت َ العلم كله هناك من هو أعلم منك دائما .. ان كنت أعلم البشر في الرياضيات فهناك الأعلم منك في الفيزياء وان علمتهما معا لن تحيط بالكيمياء و ان علمتهم جميعا فلن تأخذهم مع الأحياء .. و إن فعلت فلن تحيط بتطوراتهم ولن تتوقع ما سيحدث مستقبلا في شؤونهم ..

آتني رجلا واحدا على مر البشرية علم بكل حدث كوني .. لن تجد .. فمن هو الذي علم كل العلوم البشرية و تاريخها ؟ لا يوجد .. فمن الرجل الذي يعلم بأنه سيموت في التاريخ الفلاني في الساعة الفلانية بالطريقة الفلانية؟! لا يوجد .. ! هناك من يعلم كل هذا و تخيل .. !  هناك فعلا من يعلم كل ذلك .. ولا يمكنك أن تنكر وجوده لمجرد أنك لا تتخيل أن هناك من يعلم بهذا .. لأنك بذلك تثبت أن عقلك قاصر عن مجرد التخيل وبالتالي لا يحق لك أن تحكم بالنفي بعلم فالعقل الذي لايمكنه مجرد التخيل لا يمكنه أبدا أن يعلم  .. ولا من دون علم فالعقل الجاهل لا ينفي ولا يثبت ..

لكن بالنسبة لي.. فيمكنني أن أثبت وجوده لأن عقلي استطاع ان يتخيل و صدق وآمن بوجود من يعلم كل شيء و أقرب لعقلي أن أقول أن من يعلم كل شيء هو من أنشأ كل شيء من البدء .. و أنه خلق كل شيء ..

كيف تصدق في الله من هم مثل هؤلاء؟ كيف تصدقه 50 ألف شخص (ولنفرض أنه عدد الفلاسفة المتكلمين بالإلحاد على مر القرن الماضي) وتنكر ملايين الملايين من البشر الذين أجمعوا على وجود إله خلق الكون .. ملايين الملايين من اليهود والنصارى والمسلمين بأطيافهم … البشرية كلها تقف ضدك وضد من تتبع ومن تقرأ لهم فأي الكفتين سترجح .. إنه التواتر يا مسلم .. يا انسان .. تواتر الناس على مسألة فمن أنت لتضلل البشرية مجتمعة ؟! ان نفيت علما نقلته البشرية عبر أجيالها فأنت تنفي كل شيء تعلمه لأن العلم تراكمي .. متواتر ..  أنت تنفي الطب و الأحياء و الفيزياء والكيمياء وإن قلت أنها نقلت على ورق اليك فأنت تنفي كل علم علمته البشرية قبل صناعة الورق حين كان النقل بالتواتر اللفظي .. وتنفي الورق نفسه لأن انتقل اليك بتواتر العلم .. فإن قلت أنك تلمسه فسأقول لك ما قلته أعلاه .. ضع لي حرارة الشمس في علبة .. أمسك الزمان .. جسده !

ايها المسلمون والمسلمات .. يا شباب امة الإسلام التي جرحها ابناؤها بجهلهم .. انقلوا كلامي هذا ما استطعتم .. انقلوا رسالتي لمن تعرفون ممن وقعت الشكوك في قلوبهم .. كفوا عن اثارة الحرائق في الصدور والعقول .. آمنوا بالله وبرسوله .. ان ساءكم التشدد الديني فارجعوا الى جذور الدين وتعلموها .. ستجدون عالما ربانيا مخلصـا ينصحكم ويخاف الله فيكم .. ان غركم الانفتاح فاخرجوا الى بلد غربي وانظروا الى الضلال و العري والفساد ..انظروا اليهم كيف ضلوا عن سواء السبيل .. خاطبوا الفطرة الانسانية السوية اسألوا الطفل بداخلكم .. هل هذا الحال صواب أم خطأ ؟ اني أراهم كل يوم يمجدون الهة البوذيين والصينيين و الهندوس .. لقد انتكس هؤلاء النصارى باتباعهم الظن ثم عادوا يبحثون عن مرشد ودليل يخفف حرقة قلوبهم التي اصطلت بنيران الجحود والنكران ..

لست خيرا منكم .. أنا مثلكم .. علمت قليلا وأجتهد لأعلم أكثر ولن أحيط كل شيء علما لأنني واقعية .. و أعلم كلما علمت كم أنا جاهلة .. فالكون عظيم لايحيطه أي بشري مثلي مهما استطاع أن يفلسف كلامه وينظره ..

لست خيرا منكم ولكني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم .. وان انكرت يا انسان أن الجاحد بالله المكذب به سيصلى الجحيم .. فافعل .. واذهب الى الجحيم

أما ان احترق فؤادك و اضطربت روحك بالأسئلة فطبق الهدي المحمدي .. قل ” آمنت بالله وبرسوله ” ومهما دفعتك الأسئلة قل آمنت بالله ورسوله .. ارفع صوتك بالإيمان بالله واصرخ في الكون بلا إله الا الله محمد رسول الله .. فأنت مسلم ولدت مسلما فلا تضيع من يدك هذه الفرصة .. ارجع الى القرآن اقرأه واحفظه ولا تناقش احدا ولا متدينا واعتزل الناس و امسك عليك دينك واستعذ بالله فخير ما تضرب به الشك أن تؤمن أكثر وتعمل اكثر .. وأن تبكي على نفسك أكثر ..  وأن تطلب الرحمة منه فسيغفر لك حتما بقدر الابتلاء .. سينزل الرحمات والبركات عليك .. سيجعلك خير الناس سيعطيك ويعطيك ويعطيك .. انه الإيمان وأنت تجاهد نفسك لتبقيه في قلبك ..

خير ما تضرب به الشك .. أن تشكك في الشك نفسه و ألا تشكك في الإيمان .. فالإيمان أصل والشك حادث شاذ في البشرية ..

أسأل الله لي ولكم الثبات على الحق و الثبات على الإيمان بالله موجد الكون وخالقه و الثبات على الاسلام الدين الذي ارتضاه لنا الله .. وأقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

.

.

في التدوينتين التالييتين مقالان للدكتور عائض الدوسري حول هذه الظاهرة الكارثة ..

My iPhone

اندهش فعلا من كمية الفرص المتاحة للثرثرة في أي مكان ووقت
قمت بتحميل تطبيق WordPress على جهاز الايفون و اجد استخدامه سهلا جداً بسهولة استخدام الكمبيوتر او افضل
هذا يعني انني سأزعج نفسي و أصيبها بتخمة كتابية ان شاء الله كلما واتتني الفرصة او بالأحرى كلما اردت
فالفرص الكثيرة موجودة في كل وقت
تويتر وفيسبوك و ووردبرس و آيفون ..
وإنترنت متوفر دائماً ولله الحمد

هل أنت ضفدع ..؟

نجمع أن هذه السنة 2011 من أشد السنين تأثيرا على التاريخ الشرق اوسطي الحديث .. فيها سقطت حكومات 6 دول عربية
و تضطرب دول عربية اخرى
و اختفى أثر دولة عربية عظيمة لطالما كانت أثقل الدول العربية وزنا (العراق)
و شاع بين الناس كلام كثير و فتن كثيرة
مات خلق كثير
و ربما كانت النار قد اشتعلت تحتنا نحن بهدوء غايتها انضاجنا كما تنضج الضفادع
الضفادع بالمناسبة من ذوات الدم البارد ، وان وضعت ضفدعا في ماء بارد ثم أشعلت تحته النار فلن يشعر بارتفاع حرارة محيطه و سيموت و يتم سلقه بدون ان يشعر بأي ألم
وفي رأيي نحن قد تم اشعال النار تحتنا منذ مدة لا بأس بها
لكن لأننا من ذوات الدم البارد سياسيا .. التلقائي البريء
لا نشعر بارتفاع درجة الحرارة ، ولا بأي تغيير
كل ما نشعر به هو نقنقة ضفدعية غير مريحة و مناخ غير مناسب لنقوم بعملياتنا الحيوية الانتاجية
يقوم كل منا بلعن ما حوله ومن حوله لا يتمهل ولا ينتظر ولا يحكم عقله
مثيرا بذلك البقية لتعلو أصواتهم ما يؤدي الى الشوشرة على البقية داخل القدر وخارجه
عموما .. وعودة للتاريخ الشرق أوسطي الحديث .. لطالما اعتقدت ان الحكومات القائمة على ثورة هي حكومات مؤقتة لا تدوم
السبب في ذلك بسيط : فقدان الاحترام فمن ثار على حاكم المسلمين يعطي غيره سببا كافيا ليثور عليه نفسه ..
ومع ذلك فالتاريخ الشرق أوسطي القديم وتاريخ الدولة الإسلامية عامر بأحداث أشد وقعا و تأثيرا من سقوط حكم 6 طغاة ظالمين
عثمان بن عفان رضي الله عنه رجل تستحي منه الملائكة
لم يستح منه البشر و تسلقوا سور بيته وقتلوه وهو يقرأ القرآن في الساحة
علي بن أبي طالب .. لم يثبت أين مكان قبره وتجاوز بعض المؤرخين فقالوا ان جثمانه وضع على بغلة هامت به فلا يعرف قبره و أعتقد انها رواية كاذبة
قام ابن الزبير بثورة على الأمويين فاستشاطوا غضبا و ذهبوا اليه في مكة ورموا الكعبة بالمنجنيق و جاء لأمه أسماء بنت الصديق من يخبرها أنه تم التمثيل بجثته وأنه صلب وهي العجوز التي فقدت بصرها فقالت مقولتها المشهورة
” لايضر الشاة سلخها بعد ذبحها”
وربما فقدت التتابع في الرواية
وعبدالله بن الزبير لمن لا يعلم هو أول مولود للمسلمين في المدينة و حنكه رسول الله بريقه وفرح به المسلمون وجالوا به طرقات المدينة لأن اليهود كانوا قد ذكروا انهم سحروا المسلمين فلن يولد لهم مولود ذكر أبدا
فظائع كثيرة جاد بها التاريخ البشري و العربي سببها نزاعات حول احقاق الحق ورفع كلمة الله أو حول النزاع على السلطة
تقاتل الناس كثيرا وقامت فتن كثيرة أغلبها كانت فتن “مضفدعة” يقوم جماعة ببث الأخبار والاستثناءات كحالة عامة
أو تقوم جماعة برمكية أو مندسة بإفساد وضع سياسي في بلد ما مهما كان ساسته عادلين طيبين
بدون أن ينتبه اولئك الساسة لما يدور حولهم لانشغالهم بما لا أعلم أو لاطمئنانهم باستحالة التغيير
الذي قلنا أنه سنة كونية

تأزم نفسيات الكثيرين منا وقلقهم حول المستقبل مفهوم لكنه لا رجاء منه ..

لأن مشكلتنا نحن أننا لم نعاصر تغييرات مفاجئة وقوية كهذه منذ حوالي خمسين سنة
كل ماكان يحدث هو طبخ الضفادع .. وأرى أنها في 6 دول عربية قد نضجت تماما

كل ما أردت قوله .. لا تكن ضفدعا.. ان لم يكن لك تأثير فعلي وان لم تعلم مالذي يحدث ولماذا توقفت عملياتك وانتاجك فلا تنقنق كثيرا لعل البقية يتنبهون لما يحدث

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 139 other followers