سنة أولى دكتوراه -1-
لم يعد يستفزني بياض الصفحات لأملأها أو لأحكي عن أمور قد لا تعني أحدا سواي .. لكنني أشعر برغبة في بعض الثرثرة .. ربما أريد أن أوثق التالي لأقرأه لاحقا .. فأنا والنسيان أصدقاء مقربون وبيننا من الحميمية ما الله به عليم ..
السنة الأولى في الدكتوراه كانت باختصار مليئة بالألم و الضياع و الانهيارات المتوالية ان دق التعبير، و ليست هذه الكلمات عاطفية بل هي واقعية تماما و عملية
يعتقد الكثيرون ان الدكتوراه هي رحلة سعيدة تتركز في جد الطالب و اجتهاده و مذاكرته ليتخطى المسائل العلمية و يحصل على الدرجة قحسب بينما الواقع غير ذلك تماما .. المشاريع التي نقررها لهذه المرحلة باختصار ليست كما تبدو جميلة على الورق ..
حين نرى المشروع على ورقة العرض او البروبوزال، نجده مشرقا متفائلا مليئا بالجمال ، قيمته العلمية الثقيلة تريحنا و تقنعنا لنقرر أن نقضي من عمرنا السنوات الأربع أو الست او الثلاث او حسبما تقتضيه الخطة متعلقين بشيء واحد و بمشروع واحد لا نفكر بغيره ..
نفاجأ أن الواقع غير الأوراق و أن الدكتوراه ببساطة و عالم البحث العلمي ببساطة ينص على قاعدة مفادها :”لا شيء يمشي حسب الخطة” ..
الكثيرون ممن عملوا خلال مرحلة الدكتوراه قرروا التوقف في مرحلة من المراحل لأنها قضت على الكثير من تطلعاتهم، على الكثير من آمالهم و أحلامهم بمستقبل جميل
حين رأوا ما فعلته هذه المرحلة في نفسياتهم و آدائهم اليومي و ما فعلته هذه المرحلة من تحطيم لعلاقاتهم الجميلة مع أصدقائهم القدامى أو اقربائهم او حتى شركاء حياتهم .. قرروا انها فعلا غير مجدية
قد يعتبره أحد ما فشلا ذريعا، لكن لمن يعيش أيام هؤلاء و عذاباتهم يعرف انهم ليسوا فاشلين تماما بل قرروا ما يناسبهم.. وعلموا ان هذه المرحلة لا تناسبهم .. في رأيي ان هؤلاء لا يتمتعون بالقدر الكافي من العناد .. و أحيانا لا يتمتعون بالقدر الكافي من البلادة .. : )
على كل حال ليست هذه قضيتنا، أعني أن قضيتنا ليست فيمن ترك الدكتوراه في مرحلة من مراحله فلكل طالب دكتوراه همومه ومشاكله و آلامه وخيباته و انسحاباته .. قضيتنا اليوم هي باختصار : ” كيف تنجو من سنتك الأولى في الدكتوراه” ..
و لأقوم بشيء مغاير، لن أضع قائمة من النصائح هنا .. لكني سأضع أخطائي و أخطاء بعض ممن أعرف حتى لا يقوم بها من يقرأ هذه الكلمات في سنته الأولى و حتى لا يعيش نفس المعاناة ..
ولأسهل الأمر أكثر أفيد بأنني أدرس الدكتوراه في الاحياء الدقيقة و وبائيتها في جامعة أسترالية في مدينة برزبن .. أي انها لغة مختلفة تماما ..
باديء ذي بدء كان العائق الأول لي و ما تهيبت منه هو اللغة .. وعلى الرغم من أن لغتي الانجليزية جيدة جدا و انني استوفيت شروط القبول في الجامعة منذ الاختبار الأول، إلا أن الخطأ الذي ارتكبته انني تكاسلت عن القراءة المطولة و تلخيص المقالات واختبار قدراتي باستمرار .. اكتفيت فقط بالقراءة السريعة التي تعطيني فكرة عن المقالة و عن الدراسة التي تناولتها.. اكتشفت بعد فترة طويلة أن هذا لا يكفي و أن الأستراليين أنفسهم يقرأون المقالات اكثر من مرة ليتأكدوا من فهمها الصحيح السليم .. لم أكن افعل ذلك بالطريقة الصحيحة.. ما فعلته في النهاية هو القراءة و التلخيص و الجداول و الأشكال الشجرية وكل ما يساعدني شخصيا في تذكر المعلومة .. و حتى مع هذا كان تعليق المشرف الدراسي الموجع انني احتاج لأبذل مزيدا من الجهد في هذه النقطة .. أن الخص المقالات بشكل سليم و استنبط منها المعلومة .. ما سأفعله في المرحلة التالية هو ملازمة خبير و التغلب على عائقي الثاني وقد قطعت فيه شوطا كبيرا حتى الآن ..
عائقي الثاني أنني كنت خجولة من السؤال، للأسف اكتشفت لاحقا ان السؤال هو مفتاح التعلم في استراليا وأنك ان لم تسأل فلن يتطوع أحد ليفيدك بمعلومة .. الخجل أيضا يشعر الآخرين بالحرج عند الحديث معك فيتجنبونه .. و هذا غير مفيد على الاطلاق .. كنت أيضا ارى كل شيء “مثيرا للاهتمام” .. لا يكفي أن تكون المسألة مثيرة للاهتمام فحسب .. بل هي مهمة وينبغي أن نتوسع فيها طالما صادفتنا في مسيرتنا الدراسية اكثر من مرة .. ما يميز الأستراليين عن غيرهم أنهم (وخاصة علمائهم) مقتنعون أنهم لا يعرفون الكثير .. وأن الجميع تلاميذ .. وهذه النقطة تجعل من السهل علي القاء اسئلة مبتدئين.. وقد صرحت بذلك أكثر من مرة
” هل يمكنني أن اسأل سؤالا ساذجا؟ “
كان رد الفعل الدائم هو الابتسام ، وفي أحيان كثيرة تحضر الاجابة الى ذهني بمجرد القاء السؤال و أجد أنني فعلا أعلم بعض الأشياء .. : ) و أبدأ في الاستطراد حتى أن الزملاء ذكروا اكثر من مرة أنهم لا يعلمون اجابة افضل من استطرادي .. وهنا أقول أن بعض الحيل تنجح بالتأكيد ..
واحد من الأمور التي كررتها كثيرا انني سمحت لمزاجي بالانحدار لمنطقة تقع تحت مستوى سطح الـ .. بحر ..
بحر الكفاح ربما ..
في السنة الأولى لدينا ما يكفي من الهموم و المشاكل .. وليس من المفيد أبدا أن اتغيب عن مقر الدراسة لأنني لا أشعر برغبة في الخروج اليوم أو لأنني محبطة بسبب الأخطاء المتكررة ..
الأخطاء هي سمة السنة الأولى .. و فكرة أنني طالبة دكتوراه و أنني ينبغي أن اكون بمستوى المرحلة في اول سنة هي ببساطة “فكرة غبية” .. ما ينبغي تذكره دائما أننا في هذه السنة نخوض في تفاصيل كل شيء ..ومعلومة عارضة في مرحلة البكالورويوس او الماجستير قد تطلب منا بحثا يستغرق ساعة ليس فقط لتأصيلها ولكن لاثبات انها لازالت قيمة ..
لذلك فالاخطاء واردة، و انحدار المزاج بسببها لا ينفع أبدا في تجاوزها .. بل يزيد الأمر تعقيدا .. كما ان انحدار المزاج يشبه كثيرا كرة الثلج .. يبدأ عادة صغيرا و في نهاية اليوم يفقد المرء السيطرة على أعصابه تماما .. و يدخل في المرحلة الأخطر ” القلق” و الخوف من المجهول .. في حين أن لو تأمل الشخص الواقع لوجد الأمور أهون بكثير مما يتخيله ..
من أخطاء السنة الأولى كذلك كانت التسويف .. وهذا مرده الرئيسي اننا في السنة الأولى نعتقد ان لدينا الكثير من الوقت .. في الواقع ليس لدينا أي وقت على الاطلاق .. فلدينا الكثير الكثير من العمل لننجزه في هذه السنوات القليلة و الكثير لنتعلمه من أساليب ومهارات تنفعنا للاستقلال بذواتنا كعلماء في نهاية هذه المرحلة ..
خطأ اخر هو التعلق بمشكلة لفترة طويلة .. بالنسبة لي قضيت فترة طويلة لأحل مشكلة تافهة جدا في البحث كان ينبغي أن اقف بحزم امام الفريق و ابلغهم بقراري فيها خاصة انها لا تحتاج لاثبات علمي و حلها كان في اختيار التخفيف المناسب .. كذلك احدى الزميلات قضت قرابة السنة تكرر خطأ يصل بها الى طريق مسدود .. خطؤها كان الاعتماد على طريقة غيرها بدون النظر فيها .. وهذه من اخطاء السنة الأولى التي تتكرر كثيرا بسبب قلة الخبرة في المجال ..
مما لا أنساه أيضا قضاء وقت طويل في الحديث عن أمور لا تتعلق بالعمل .. و هذا سببه فضول الأجانب في معرفة تفاصيل حياتنا ومعيشتنا وثقافتنا .. و رغم أن هذا الأمر مفيد جدا في تقوية المحادثة .. لكن وقت العمل هو للعمل .. و كذلك انني كنت ادخل همومي الشخصية معي الى المختبر في حين أن ما فعلته في الشهرين الآخيرين اثبت لي ان الخير كل الخير في الانغماس في العمل و البحث و ترك الهموم الشخصية لوقت اكون فيه خالية البال ..
لازال للحديث بقية .. لكنني تجاوزت كلماتي الألف و لا أريد الاطالة عليكم ..
أراكم قريبا ..
CHEERS
أعتقد يا “أسماء“ بل متأكد أن بياض “أرب“ تشتاقُ إلى قليل التفاته مِنكِ .. و نحن أيضاً نشتاقُ قرائتُها .. الجميل أن الألف حرف وجدت طريقاً رُغم ازدحام الحياه
.
جميلةٌ جِداً هذه السنه و الأجمل انكِ ذهبت إلى ذكر الأخطاء لأستفادة القارئ و الأجمل من كل هذا انكِ تعيشين الذكريات بين الحرف و الآخر .. تستطردين بالكتابه كـ حيلُكِ في الإجابة
، و هذا ما يجعلُني اقرأ حتى أوقاتاً مُتأخره .. شُكراً على هذه السنه يا “أسماء“ .. أريدُ أن أعيشها في “أرب“ فـ أنا انتظر التكمله بشغف ..
ألف شكر لاهتمامك يا متعب ..
تبقى الحياة مزدحمة لكن الفوضى لا عذر لها ولعلها فوضى الاجازة التي ستنتهي خلال يومين ..
البقية تأتي بإذن الله .. لك جزيل الشكر : )